غياب التخطيط

التربية مهمة أسمى وأكثر إجلالاً من مجرد تربية الجسد وتغذيته، مهي فلسفة متكاملة، تُعنى بتنشئة الفرد تنشئة اجتماعية وفكرية وبدنية وعقلية، تؤهله ليكون عضواً فاعلاً ونافعاً في المجتمع، وتهيئته للقيام بمهام الحياة المختلفة، ومن هنا يصعب حصر دور الأسرة أو المدرسة في تعليم الرياضيات واللغات وبقية المعارف والعلوم، على الرغم من أهميتها، فوحدها لا تبني شخصية الفرد، ولا تمده بما يحتاجه من فضائل وقيم نبيلة أو سمات شخصية، كالقيادة والقدرة على اتخاذ القرار، وتسيير دفة العمل بنجاح.

إن هذه الصفات التي سبق ذكرها يمكن أن تنجزها تربية ديمقراطية قائمة على الحوار واحترام الرأي والاستماع لآراء أطفالنا، ومحاولة البحث عن ميولهم ومواهبهم لتطويرها وتنميتها، الأمر الذي تفتقر إليه معظم الأسر في التربية، التي تقوم على مفهوم القمع والنواهي والأمر بالإكراه.

وغني عن الذكر ما يمكن أن تخلقه مثل هذه التربية التي يتلقاها الطفل من مشاعر الرفض لسلطة العائلة، أو الرغبة في التمرد عليها، حتى لو أدى الأمر إلى الانحراف والانسياق وراء رفقاء السوء، وما يجلبه من عواقب وخيمة.

إن هذا النوع من التربية الشاملة كفيل بخلق شخصية متوازنة لأطفالنا، وإكسابهم المعايير والأسس التي تدفعهم دائماً إلى النجاح في المدرسة والبيت والحياة بشكل عام، لكنها تحتاج لكي تصبح كلاماً واقعياً وسلوكاً ممارساً إلى تعاون البيت والمدرسة والمؤسسات التربوية والثقافية، حتى تكتمل اللوحة ولا يتناقض دور هذا الطرف مع ذاك، فيخلق بالتالي تناقضاً بين الطفل وما يتلقاه، ويجعله يحار في أي طريق يسلك.

وتأتي أهمية التخطيط التربوي بعد ذلك لتكمل المهمة، فالأهداف الواضحة والمعدّة من منطلق الوعي والفهم العميقين لشخصية الطفل وتكوينه ونوازعه، يمكنها أن تصنع معجزة تربوية، وتخلصنا من الطريقة العقيمة التي مازالت تتبع في التدريس، حيث الاهتمام فقط بالتلقين والحفظ، من دون الانتباه إلى أهمية بناء الشخصية ذاتها، وحبذا لو وجدت نتائج البحوث والدراسات التربوية طريقها إلى مؤسساتنا التربوية، وأسهمت في رسم سياستها وتخطيط أهدافها، وتطوير برامجها والأنشطة التي تتبناها، إذ مازالت عملية التدريس في مدارسنا متخبطة.

إن مثل هذا التخطيط سينعكس إيجابياً، ليس على الأجيال الصاعدة فحسب، بل على المجتمع أيضاً، فالتخطيط العلمي سيوضح لنا الكثير من الأمور التي مازالت متروكة للمصادفة والتجارب، وسنعرف كم سنحتاج من المهندسين والفنيين، والأطباء، والأكاديميين... الخ، وبناء عليه ستكون مهمة إرشاد الطالب إلى التخصص الذي يدرسه، وفق ما تحتاجه سوق العمل أو تتطلبه عملية التنمية، سهلة وميسورة، وعندها لن نجد تكدساً في حقل من الحقول على حساب الندرة في حقل آخر، ما يجعل إنجاز عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية على نحو أفضل، ويقلل من المؤشرات غير الإيجابية التي يفرزها غياب التخطيط.

wahag2002@hotmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتبة يرجى النقر على اسمها . 

الأكثر مشاركة