أبواب

ثقافة الجوع

زياد العناني

ثمّة أطعمة كثيرة تنتمي إلى ثقافة الجوع، بدأت بخبز الشعير وانتهت باللفت والخبيزة والملوخية وبعض الحشائش التي شاع طبخها، للحد من تداعيات الجوع، ولولا كفره لما كانت موجودة، وربما زاد حجم الجياع أكثر إلى درجة استخراج الحبوب من الروث، وتشابه جوعنا مع جوع من أكلوا الكلاب والحمير والقطط في بعض الدول الآسيوية.

الجوع القديم، ولعل ما يستوقفنا هنا أنه أقدم من منظمة الأغذية (الفاو)، ومن تقاريرها المزعجة التي تتحدث عن حالة انعدام الأمن الغذائي في العالم، وتؤكد أن كل ست ثوان ثمة طفل يهلك جوعاً، وأن عدد الذين يعانون الجوع المزمن حول العالم بلغ أكثر من 845 مليون شخص، وما يقابل هذه التقارير من دعوة أو نصيحة أميركية متوحشة تتحدثت الآن وتطالب العالم كله «إما بتخفيص معدل الولادات في أصقاع العالم، أو برفع معدل الوفيات»، وهو طلب يمكن أن يفهم لو بقيت الأمور محصورة في الشطر الأول منه، ولم تصل إلى الشطر الثاني الذي يعني أن على الدول أن تفتح جملة من المقابر الجماعية، لكي تتجنب الجوع، أو أن تخترع جملة من الحروب أو جملة من الأمراض الخبيثة التي تفتك بالناس برمشة عين، وذلك لأن أميركا اللاأخلاقية كانت ولم تزل معنية بالاستمرار في استخدام الحبوب لإنتاج الوقود الحيوي أو «الإيثانول» أكثر من عنايتها بإطعام الجياع.

هكذا تؤنسن أميركا العالم، عبر ما يطرحه عدد من المفكرين الاقتصاديين من ضغائن وموشحات احتكارية، وهكذا نجلس نحن العرب لكي نستمع إلى نصائح، ربما نجد أنفسنا ذات يوم أو ذات عقد أو ذات قرن، من الملتزمين بها لأسباب عدة، منها أن أصحاب القرار السياسي في العالم العربي يحاولون تأمين الغذاء من خارجه فقط، ولا يقلقهم إن شحّ القمح في بلدانهم قدر ما يقلقهم إن شحّ في أميركا، متناسين حجم الخراب الذي طال الشاسع من أراضيهم التي لم يكتب لها أن تزرع وبقيت للغبار، ومنها أن الجوع والتجويع سياسة تطويع وإذلال، ومنها أن فكرة الدين العام أو الدين الذي يتراكم سواء لحساب صندوق النقد الدولي، أو للدول الكبرى، يجب أن يظل موجوداً لأسباب تتعلق بتنمية الفساد الذي يدار من الخارج، بلا حسيب أو رقيب، وعبر مديونية تزداد على الرغم من الفاقد أو المفتقد في الدرب إلى سدادها.

تسجل لأميركا فكرتها الجهنمية في رفع نسبة الوفيات في العالم، ويسجل لأصحاب القرار السياسي في الوطن العربي أنهم صنّاع أزمات إنسانية وغذائية، وصنّاع حكومات تجارية «جملة ومفرق»، تستورد وتستورد ولا تنتج ما يملأ كفّها، أما ثقافة الجوع، فيسجل لها أنها أنسنت بعض الأغذية في سنوات القحط على الأقل، وجعلتها ضمن المطبخ الإنساني مأكولة وحاضرة بيننا.

والآن، ولكي لا نكون بين خيارين، الأول يتعلق بالولادات، والثاني بالوفيات، وبما أننا لم نزل في سني الطفرة أو الوفرة هذه نحتاج إلى خطة تنمية «بلدية» وليست «أجنبية»، تستشرف الخوف والنقص، وتعود بنا فوراً إلى ما يجعل الضرع يدرّ، والزرع ينمو ويتمايل في الحقول، بعد أن غرّر بنا وتركنا ما نزرع لحساب ما قد نصنع، وضِعنا وضاعت جهودنا بين الجهتين لا أكثر.

zeyad_alanani@yahoo.com

 لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة