كل جمعة

عالم سريع.. وسلاحف

باسل رفايعة

يستمر الجدل في الدوائر السياسية والعسكرية في الولايات المتحدة في ما نشره موقع «ويكيليكس» عن تورط الأميركيين في عمليات تعذيب واسعة تعرض لها عراقيون، وسط غضب على صاحبه جوليان أسانغ، وصل حدّ تحميله مسؤولية أية هجمات قد يتعرض لها الجنود الأميركيون في العراق.

وفي مكان يُحترم فيه الرأي الآخر، دون تخوين أو استقواء أو إرهاب فكري، ثمة من يرى أن للضحايا حقوقاً، أبسطها ألا يأكلها الصمت، وتضيع دون محاسبة، مثلما أن من حق الشعب الأميركي أن يعرف ما ارتكبه ساسته وعسكريوه، عندما قرروا غزو بلاد، من أجل «نشر الديمقراطية، وحقوق الإنسان فيها».

نتحدث هنا عن تجاذبات وجدل سياسي حول نشر الوثائق التي تدين الدور العسكري الأميركي في العراق، وتورطه في انتهاكات مباشرة لحقوق الإنسان. وبما أن موقع «ويكيليكس» ليس في العالم العربي المتخصص في الحجب والمنع الإلكتروني فإنه مازال يشهد ضغطاً متزايداً في عدد متصفحيه، والنقاش مستمر، وقد فَتَحَ محاور قديمة في النظريات الإعلامية، وأعاد الاعتبار إلى قولة المسؤولية الاجتماعية في العمل الصحافي، لكن الموقع مفتوح، لأنه لا أحد يملك حق إغلاقه، وقد أصبحت الوثائق مُلكاً للقراء حول العالم، كما أن فكرة الحجب ليست مطروحة أساساً، بوصفها قراراً يمكن لأي سلطة تنفيذية اتخاذه على الفور، بل إن هناك قضاء، وعملية طويلة معقدة، تكلف صورة الولايات المتحدة كثيراً من القتامة، وربما الانهيار.

لا نستطيع أن نتخيل، لمجرد الخيال، أن ينشر رجل عربي في موقع عربي ما نشره جوليان أسانغ في «ويكيليكس». فالضمانات التي يقدمها العالم المتقدم والسريع جداً للحريات والحقوق لا يمكن أن تجد لها مكاناً في العالم الذي يتقمص حركة السلاحف، ويرى الحرية عبئاً، والتقدم تنازلاً عن الماضي وتضحية به. وتلك مقارنات ربما لا تصحّ، فنحن أمة تعيش على ما أنجزه الآخرون، وتشتمهم في الوقت نفسه، ولا ترى فيهم أكثر من شياطين وفَسَقة.

على أية حال، ثمة قراءات واسعة في الولايات المتحدة لدوافع موقع «ويكيليكس» بنشر الوثائق في سياق المصلحة العامة، وفي صلب نقد الحروب الأميركية الخاسرة، وبعضهم اعتبر أن الإصلاحات التي يمكن أن تنتج عن تمحيص الوثائق يمكن أن تُعيد إلى الأمة الأميركية هيبتها وحضورها، وتكفّ عنها الأذى والإرهاب. نعم هناك من قال إن الولايات المتحدة تستحق مثل هذه الصدمة لتعيد الاعتبار إلى ثقافتها ومكانتها، وإن جوليان أسانغ أسدى خدمة عظيمة للشعب الأميركي عندما نشر الوثائق، من أجل ألا يتورط مجدداً في اختيار قادة يذهبون إلى حروب تؤدي إلى كوارث أمنية واقتصادية مهلكة لهم. وثمة من طالب بالتحقيق والمحاسبة بأثر رجعي احتراماً للقيم الأميركية.

على الرغم من كل شيء، فإن درس «ويكيليكس» يمكن الاستفادة منه عربياً، ولكن عندما نؤمن أن الحرية تكسب دائماً، وأن المنع والقمع طريقان مباشران للجهل والتخلف، وأن على الدول أن تدرك أنها لن تبلغ النضوج السياسي والمؤسسي إذا لم تكن لديها صحافة حرة، يحرسها قانون متحضر، في يد قضاء مستقل ونزيه، وما تبقى من أسباب التطور والعلوّ في الزمان والمكان ليس أكثر من نتيجة حتمية.

baselraf@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة