كل جمعة

هيروين وإرهاب.. وحريات!

باسل رفايعة

مثلما لا أجد صلة بين ترويج الهيروين والكوكايين وسائر المؤثرات العقلية الضارة، وبين حرية المستهلك وحقوقه في توفر هذه السموم بسهولة في الأسواق، فإنني لا أعرف أية علاقة تربط نشر الجهل والتطرف والإرهاب بالحريات الإعلامية، وبحق الناس في المعرفة.

عذراً، فإنني لا أجد مبرراً للتنافس بين الفضائيات الإخبارية على بثّ أشرطة الإرهابيين الذين تلطخت أيديهم بدماء الأطفال والأبرياء في بلاد العرب، قبل أميركا وأوروبا، وأعتبر توفير منابر لهؤلاء المجرمين أشدّ أذىً من نشر عدوى أو وباء قاتل، وأحاجج من يقول بحرية المعلومات، بما يؤلم من إجرام «القاعدة» في اليمن الآن، وأحاجج من يدافع عن فوائد الاختلاف بالكوارث والويلات التي ألمّت بفلسطين والعراق وغيرهما، وكذلك العرب في الولايات المتحدة والعالم، نتيجة أشرطة أيمن الظواهري وأسامة بن لادن الذي أتحفتنا «الجزيرة» أخيراً بنظرياته في الاحتباس الحراري. ومن فضائل «الجزيرة» أن موقع «يوتيوب» يحفظ نقلاً عنها ما جادت به الفضائيات العربية من جهالات وتخلف، فقد شاهدت أحد مروجي السموم، من أولئك الذين يطلقون على أنفسهم لقب «دعاة» ويحملون درجة الدكتوراه، وهو يقول بالحرف الواحد إن «أربعة أرطال من الجمرة الخبيثة (أنثراكس)، إذا ما أتقن فدائي نشرها على وعاء سكاني في أميركا، فإنها تكفي لقتل 330 ألف أميركي». وزاد في جهله، وسط إعجاب مستمعيه، حينما اعتبر أن الإرهابيين الذين استباحوا أجساد العرب في المجمعات السكنية في السعودية والمغرب، وحفلات الزفاف في الأردن، إنما هم من «أشرف الناس، وأتقى الناس، وأحسن الناس في العالم»، وأمثلة ذلك تفوق القدرة على الإحصاء في الفضاء العربي الذي استباحه تجار الدين، والمتاجرون بعواطف الناس، دون رادع، إن لم يكن هناك تواطؤ مستور، تحت ذريعة حق الجميع في إبداء آرائهم. هذا الحق نفسه الذي يصبح باطلاً فوراً، حينما يتعلق الأمر بالمعارضين السياسيين، أو النشطاء الحقوقيين، أو مئات المواقع الإلكترونية والمدونات الممنوعة لمثقفين ومفكرين تنويريين، بينما ينفتح الفضاء من دون حدود لمشايخ الإفتاء الذين احترفوا هذه المهنة، من دون ضوابط مصلحية أو حتى شرعية، ووجدوا لهم أمكنة ثابتة في عشرات القنوات التحريضية التي تبثّ الشعوذة والجهل والبرامج التي تهزأ من العلوم الحديثة من الأرض العربية إلى الفضاء، وليشاهد العالم كيف نفكّر، وكيف نعيش، وكيف أن برنامجاً واحداً عن العلاج بالشعوذة يستقطب ملايين المشاهدين الذين يرون الحلّ فيه، وليس في زيارة عيادة طبيب! وهكذا يدرك العالم بوضوح كيف تتحكم الأميّة المعرفية والحضارية بحياتنا ومصائرنا؟ «درء المفاسد أوْلى من جلب المنافع». ولا محاججة تحترم العقل، وتشير إلى أن ذلك من ضريبة الحرية، وأنه لا يصح أن نطالب السلطات العربية بمنع قنوات التحريض هذه، ونسكت في الوقت نفسه عن هبوط آخر، فقنوات «روتانا» و«ميلودي» قد تهبط بالذائقة والأغنية، وتستفزّ المشاعر الجنسية، لكن ذلك أهون من التنظير للجهل، ومنحه الحق في قيادة المجتمعات، والحكم على مستقبلها، وأقل ضرراً من الدعوة إلى القتل والإجرام بالمجتمعات بعد تكفيرها، ولا مقارنة بين نتائجه، وتبعات شرور الدجالين والنفاثين في العُقَد الذين فتحوا دكاكينهم في بيوتنا. وأخيراً، فإن الحرية لا تصحّ إلا بشرط الوعي.. وذلك حلمٌ بعيد.

baselraf@gmail.com

 

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة