أبواب

تحصيل التقنية

زياد العناني

يكاد يكون بحث د. فيصل درّاج «العولمة والثقافة في عالم متغير»، الذي قدم في ندوة «الثقافة العربية» التي نظمتها مؤسسة شومان، بالتعاون مع مؤسسة العويس على مدار يومين، من أنضج الأبحاث التي تناولت سؤال العولمة والثقافة عبر مقاربات عدة.

مقاربة دراج كانت الأقرب، لأنه استحضر تصوراتنا الإيديولوجية والسياسية، وخاض في خلفيات من يرى في العولمة شراً خالصاً، وفي المحاكمات التي تختزل بين ثنائيات جاهزة مثل: الشرق والغرب، وأكد أن العولمة استئناف وتطوير لأشكال سابقة بدأت مع التجارة البحرية، وتزايدت مع رحلات الاستكشاف، واتسعت مع الغزو والحروب الاستعمارية.

وفي السياق أيضا، بينت مقاربة دراج أن الوقائع المتعولمة حملت صفات وحدود أزمنتها التاريخية، معبّرة عن نزوع توسيع إلى «مناطق النفوذ والموارد وتهجين المعارف الإنسانية، بعيداً عن الانتماء الديني الذي يكاد يكون شغلنا الشاغل، نافية أن تكون العولمة سرقة أديان وهويات، بل استخدام معارف وتقنيات في معارك اقتصادية، مشيرة إلى أن جيش «كولومبوس» روّض البحر والمسافات، لأنه كان مسكوناً ببريق الذهب.

غير أن اللافت في بحث دراج يكمن في تتبعه حركة التاريخ الإنساني، وكذلك القوى الإنسانية المتفوقة، ليكشف أن تاريخ الإنسان يتأرجح بين الهندسة البشرية والاحتمال، وأن الحداثة الإنسانية لا تكف عن التجدّد، وأن الحروب لا تنفصل عن التقنيات التي تستخدم فيها.

وهنا تحديدا يظهر دراج مستندا إلى قانون دارون القائل بـ «البقاء للأقوى»، حين يؤكد أن المعرفة قوة والقدرة على التكيف قوة أخرى، وأن الاصطفاء النوعي، الذي يهمّش الضعيف يرشد القوي إلى الطريق الذي يريد.

بحث دراج لم يتوقف عند مخاوفنا من العولمة، بل تعداها إلى ضرورة تحصيل التقنية وتحويل الأفكار العلمية إلى قوى مادية منتجة، وهو إلى ذلك لا يجد حرجا في نقد مقولة ماركس «ليس التاريخ الإنساني حتى أيامنا هذه، إلا تاريخ صراع الطبقات»، واستبدالها بمقولة: «كان التاريخ الإنساني، ولايزال، صراعاً بين الذين يملكون التقنية والذين لا يمتلكونها». مبينا أن الحرب العالمية الثانية لم تحسمها السياسة، وإنما حسمت بالتقدم العلمي الذي ترجمته قنبلة ذرية.

غير أن الأهم في بحث دراج يكمن في دعوته الرائية أن العولمة لا تقرأ في صراع الأديان، بل تقرأ في تاريخ علمي وتقني، مثلما أنها لا تفسّر بشعارات، مثل «القرية العالمية»، لأنها مفسّرة بمفردات: القوة، الانتصار، السوق، الاقتصاد السياسي للإعلان، والتحريض على الكشف العلمي وتحويله إلى تقنيات مثل تقنية «الإنترنت»، التي هي وجه من وجوه العولمة، وكيف أنه روض الزمن، ووحد بين زمني الإرسال والاستقبال، كما روّض المكان وهو يلغي المسافة بين موقع الإنتاج والقوى المنتجة.

وهنا يلفت دراج الى أن ثقافة العولمة تبدأ من الإنتاج لا من الاستهلاك، ومن ثقافة التجربة والبرهان لا من تعاليم البلاغة والثقافة الكتبية التي تقدّس المكتوب وتعرض عن التجربة، وتخاف من الحركة وتطمئن إلى الركود. وبعد.. هل آن لنا نحن العرب أن نفكر في جمالية إنتاج السلعة بدلا من التفكير في الاستحواذ عليها؟ ومتى نكف عن استحضار الهيمنات على الهوية واللغة والدين والانشغال بها، من غير أن ندري أن علينا أن نستدرج ونستعمل تقنيات العولمة، ونفهم أن الثقافة المهددة هي الثقافة التي لا تنتج، وأن الثقافة التي تنتج تحافظ على هويتها.

zeyad_alanani@yahoo.com

 لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة