كل جمعة

أفضلية الرجال!

باسل رفايعة

من أين يأتي كثير من الرجال العرب بهذه الثقة المطمئنة، بأن لهم الأفضلية المطلقة على النساء، وأنهم بوصفهم ذكوراً، فإن لهم امتيازاً نوعيّاً على الإناث، وحقوقاً أساسية لا يصحّ أن تكون لهنّ بأيّة حال من الأحوال؟

الجدل في ذلك لا يستقيم لأي منطق أو مبدأ، فإن أفلسَ مجادلك المتمترس وراء ذكورته، فسيقول لك إن هذا «ما تعوّدنا عليه، وورثناه عن آبائنا وأجدادنا». بجاهلية بحتة، تُذكّر بأولئك العرب الذين عبدوا الأصنام، لأنهم وجدوا آباءهم يعبدونها، فاختاروا إلغاء العقل على التفكير.

تلك الجاهلية تتواصل بأشكال أخرى، أولها استهلاك أفكار معلبة في مفاهيم منتهية الصلاحية، وثانيها استمرار وأد الأنثى فوق التراب، من خلال تغييب حضورها عن التأثير المجتمعي، وازدرائها ثقافياً، باعتبارها مجرد تابع للذكر، ولا حقوق لها، سوى ما يقرره، أو يراه مناسباً له.

كتبتُ الجمعة الماضية عن ضرب الزوجات، وكنت ومازلت أصرّ على أنه سلوك مَرَضي ومتخلّف، وأزيدُ أنه جاهليّ في مواجهة الذين حاولوا الزجّ بالدين، لتبرير هذا الفعل الذكوري المشين، ولأنني أرفض هذا النوع من المزايدات التي حملتها التعليقات على موقع «الإمارات اليوم» الإلكتروني، والرسائل الغاضبة إلى بريدي، وكذلك الهواتف التي استقبلتها خلال الأسبوع الماضي، سأقول إن الفهم القاصر والسطحي فقط هو الذي أوحى بأن النص القرآني يبيح للأزواج الحقّ المطلق في ضرب الزوجات.

كثيرنا مقتنع تماماً بضرورة ضرب النساء، والزوجات تحديداً، وأن هناك أحوالاً وظروفاً لا بدّ معها من «تأديب المرأة».. ولا علاقة لذلك بأي نصوص، فالعنف العربي ضد المرأة أمّاً وزوجةً وأختاً وابنةً، يُعبّر عن ثقافة ذكورية تستبدّ بالنساء، وتقلل من كينونتهنّ أصلاً.

نحن انتقائيون في التعاطي مع كل شؤوننا، حتى في قراءة النصوص، ونريد أن نتذرع فقط، بما يلائم أهواءنا، وإلا فلماذا نسيَ من يحاججون بوجوب ضرب الزوجات، النص القرآني في سورة الروم: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدةً وَرَحْمَةً إِن فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكرُونَ}.

ولكننا لا «نتفكر».. فهذه مهمة صعبة على من يظنّ أنه مخلوق منذ ولادته بتفضيلٍ على كائن آخر. وعلى من يجعل من الدين مجرد ثوب، يفصله على مقاسه، فيمر من دون «تفكّر» أيضاً على الحديث النبوي الذي رواه البخاري، ونصُهُ «أيضرب أحدكم امرأته كما يضرب العبد، ثم يجامعها آخر الليل».

أعرف امرأة بلغت الستين، وهي جدّة لأولاد وبنات، ومازال زوجها يضربها بيده وبالعصا، ويظنّ أن من حقه المطلق أن يؤدبها إذا أخطأت، لأنه يملك هذا الحق، وفهمه في ذلك لا يختلف عن السواد الأعظم من ذكورنا المرضى، أولئك الذين يتشدقون بقيم الرجولة والشهامة والنخوة، ويسمحون لأنفسهم بالاستقواء على النساء، وإلحاق الأذى الجسدي بهنّ، والنيل من كرامتهن وتكوينهن الإنساني الرقيق.

وأخيراً، ومع بالغ الأسف، فإن المعركة مع الجهل لن تحسم، ويبدو أن إلحاق الهزيمة به يحتاج إلى قرون أخرى، مادام فينا من المحيط إلى الخليج، من لا يؤمن بالحقوق الإنسانية لزوجته وابنته وأمّه وأخته، بكامل الحرية والاستقلال، والنديّة البشرية والعقلية مع الرجال، ومادام فينا من يساوي بين النساء والبهائم، فيقول: «المرأة.. أجلّكم الله، أو أكرمكم الله».

baselraf@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .
 

طباعة