أبواب

أوجه الخير

زياد العناني

إذا كانت مقولة المفكر كوستاس اكسياوس «من حق البشر أن يحلموا ويتعلقوا بأيديولوجيات تستهدف الخير»، محقة في جانب منها، فإنها تحمل في الجانب الآخر جملة من الكوارث المروعة، بسبب تعريف الخير في عالم باتت المفاهيم القائمة فيه حالياً تؤكد أن الحقيقة التي تثير مخاوف الناس يجب أن تنحصر ضمن فئة محدودة من الساسة، أو أصحاب فن الممكن الذين يرون أيضا أن الخير هنا يمكن أن يكون الشر هناك، كما يرون أن الشر يجوز أن يبرر بأنه وجه من وجوه الخير.

حدث هذا حين بررت أميركا ضرب اليابان بالقنابل الذرية في الحرب العالمية الثانية، كما حدث حين دمرت العراق والعراقيين بطائراتها وقنابلها الذكية، بحجة تحريرهم من الطغيان، واستنبات الديمقراطية في الحقل العراقي، وفي حقول أخرى بالحجة ذاتها، بسياسة سميت بالفوضى الخلاقة، لم تخف طموحاتها الاستعمارية، بقدر ما أكدت على الدوام أن أكبر دولة في العالم لم تألُ جهداً في وضع نفقاتها العسكرية، التي تتجاوز 400 مليار دولار في العام، في كف الشر وحده.

لم تعد هناك مدن فاضلة، ولم تعد هناك فلسفة تكتنز بالأخلاق، وكل ما وصلنا إليه من مواضعات يجب أن يوضع موضع التساؤل!

أين ذهبت أفكار الثورة الفرنسية؟ ومثلها إلى أي مآل انتهت الأفكار الماركسية؟ والآن ما مصير الليبرالية؟ ثم ما مصير الفكر الكوني برمته في ظل عالم متغير ودول تنهار وتقوم في الشهر الواحد أكثر من مرة؟ وما تعريف الدولة في ظل أنظمة لا عمل لها سوى اللهاث وراء حسن سلوك أجنبي يقرر أنها موجودة، أو انها صارت مجرد طية من طيات العدم؟

لقد سقط عالم البيروقراطية الجماعية، وبدأت تتداعى قلاع العالم الرأسمالي، أما العالم الثالث فقد تراجع إلى عالم سادس أو سابع، وغرق كثيراً في تبعية سياسية واقتصادية لا مثيل لها، وها نحن في الألفية الثالثة وليس في الأفق أي أيديولوجيا سواء كانت غربية أو شرقية يمكن أن تحمل صيغة الفكر الإنساني المنسجم أو المتكامل الذي يعد بالرفاه، وكل ما نراه ونسمعه يندرج تماماً ضمن مراهقات دينية وسياسية، وأطماع انتهازية، وصفقات سياسية معولمة، تؤكد أننا نعيش الآن في دائرة أفكار قيد المهانة الجبرية ليست معنية بحياة الإنسان، بقدر ما هي معنية بموته.

وبناء على هذا السياق، تتجمهر اللاجدوى معلنة أن المصيبة ليست في موت المعنى فقط، بل في موت معنى المعنى، بعد أن صار البناء يعادل الهدم، وصار الشر يحمل بطاقة الخير في عالم ذابت فيه القيم، وانصهرت الحواجز بين الحق والباطل، وأضحت عبارة لغوتفرد بن، وهو يخاطب الإنسان: «إنك هكذا ولن تكون شيئاً آخر»، معبرة عن واقع الحال ولاذعة، خصوصاً حين يتابع بعبارة أخرى تقول: «إذا كنتم تملكون مالاً فإنكم ستحتفظون بالصحة، وإذا كنتم تملكون السلطة فلستم بحاجة إلى تبرير تصرفاتكم، وإذا كنتم أقوياء فأنتم على حق، وذلكم هو التاريخ» إلى الحد الذي نكتشف معه أن ذل التاريخ لايزال ممتداً ليس منذ الآن، بل مذ كان الشر وكانت القوة.

 zeyad_alanani@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة