أبواب

العروبة

زياد العناني

لا شك أننا الآن نعيش في عصر لا نجد فيه العربي «المصفى»، خصوصاً بعد أن ذهبت أنفاس تلك الصفوة من رجال الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن الماضي، تاركة الأجواء متاحة ومفتوحة فقط لرائحة الأنفاس الإقليمية والطائفية.

لم يعد هناك حديث عن الأمة الواحدة، ولم تعد هناك كينونة تاريخية يمكن أن تكون مرجعية مستقرة، وبالكاد صارت اللغة العربية تجمع ما تبعثر منا، أمّا الجامعة العربية التي وضعت أصلاً لقطع الطريق على الوحدة فهي مظلة تسويات غامضة ومواقف تميع تعد لدفن مطالبنا وقرارات يمكن أن تخدم دول العالم كافة من غير أن تخدم قضية واحدة من قضايانا المعقدة والمتعددة.

كيف تهيّأت الظروف لبعض المثقفين العرب لكي يكونوا ضمن المبادرة التاريخية؟ وما الذي يمنع المثقفين في الوقت الراهن من تكوين حالة أو أنموذج مشترك نجتمع حوله ولو في قضية واحدة لا يشملها الالتباس؟

هل كنا حقاً ضمن دائرة العربي المصفى؟ أم اننا كنا نجتمع على حماسة تنطلق من هنا أو هناك ثم يأخذنا التعصب الوطني أو الجهوي فجأة إلى محليته الضيقة التي تعني أن العروبة مجرد هوية مفترضة يمكن أن نحنطها أو نختفي منها أو نخفيها لأنها تتنافر مع شرط الدولة القطرية التي لم يعد من شأنها «إن كانت الأرض بتتكلم عربي» أو ضاع لسانها في لهجويات متعددة يجري تكريسها لمنع الإنسان العربي من التفكير في مصيره الذي تمزق بفعل الاستعمار وها هو يذوب بفعل الأنظمة.

مع تأكيد بعض المفكرين أننا نستطيع خلق إنسان من كل إنسان، إلا أن الإنسان العربي الخلاق لم يعد موجوداً بالمعنى الكلي للكلمة، وكل ما نراه الآن هو المنقوص أو المخنوق أو المذبوح على هامش ضروريات الحياة السيئة.

ذهب الاستعمار منذ نصف قرن، وها نحن غرقى بمساوئ العيش في كنف أنظمة ليست موجودة إلا في صورة الحرب على مواطنيها.

أنظمة غير عقلانية تشن حرباً غير معلنة رسمياً على المواطن العربي من دون حاجة إلى محرض أو محرك ونراها في مظاهر متعددة منها التصورات المغلوطة عن خدمة الشعب، ومنها التزمت، وكبت الحريات، ومنها دحر الصلات وانتاج تفوق بعضها ومنها حيازة المغانم في جهة ومنعها عن جهة حتى بات العربي يتصور وطنه معسكر اعتقال، أو مجرد حيز يعيش فيه لكي يندم أو يموت.

من الظلم أن نحسب العروبة على اخفاق مرحلة ما، أو جنوح زعيم ما، لأنها نحن جميعاً في اللغة والجغرافيا وفي التاريخ وفي إنتاج السلطة ايضاً، ولهذا لا بأس من الابقاء عليها كأمنية ولا بأس أن نحلم بأن نجتمع تحت إضاءة حروفها، وذلك لأن الخيار الذي يعنيه غيابها سيكون في فقدان شخصيتنا الحضارية وربما سيكون في ضياع المزيد من الخرائط والثغور العربية، وبناء عليه لابد من نقد لاذع وفاضح يبين أن المثقف ليس مراقباً خارجياً بل منخرط في أتون هذه العلاقة التي يجب أن تكون مبنية على حيوية الارتقاء بوعينا ووجودنا وليس في ممارسة خسة الصمت والموافقة على حذفنا من سباق التطور، والبقاء في أسر علاقتنا القائمة على التبعية والخضوع المطلق لتسلط السلطة.

zeyad_alanani@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة