أبواب

مطب العولمة والفضائيات

أحمد السلامي

صار بإمكان أي شخص لديه نقود كثيرة أن يمتلك قناةً فضائية خاصة يبث عبرها ما يشاء، وربما نسمع قريباً عن ظهور مدونات شخصية متلفزة على غرار مدونات الإنترنت! ولم لا؟ بل إن القنوات الخاصة أصبحت تضم بالفعل فضائيات يملكها أفراد، يستخدمونها في تسويق مهارات ومواهب ومنتجات، وأحياناً يروجون معتقدات يؤمنون بها، ويحشدون لها الأتباع بهذه الطريقة التي لم تكن تخطر على بال أحد من أسلافنا.

الفضاء مفتوح الآن، وسيزداد انفتاحاً، شئنا أم أبينا. فالأقمار الاصطناعية المثبتة في الأعالي تجاوزت حصرها في وظائف عسكرية واستكشافية، وأصبحت معنية كذلك بنقل بث مباشر لا يفرق بين عروض الأزياء في باريس وخطبة أوباما في جامعة القاهرة وتنبؤات منجّم أفّاق يتحدث عن اقتراب نهاية العالم.

لكن حين تجلس أمام التلفاز ساعات طويلة، فذلك نمط مرعب من العيش يحتاج تقاعداً مبكراً، ليس من الوظيفة، بل من الحياة الطبيعية التي دمرها التلفزيون، وجعل المكوث في البيت مرادفاً للتبلد وتغييب التواصل مع من يحيطون بك. الأمر ذاته ينطبق على الغوص في العالم الافتراضي للإنترنت، ولكل إنسان مطبه الخاص، وما أكثر مطبات العولمة التي فاجأتنا على ما يبدو ونحن نائمون، فاستيقظنا نعيش أحلاماً جعلها الآخرون تنتقل إلى خانة الواقع، ولم ندرك بعد ما الذي حدث ولا كيف حدث بالضبط.

على المستوى العربي، ومن خلال تأمل محتوى أكثر من 500 قناة فضائية، لا تتوقع أن تجد قناةً خاصة بشاعر كبير مثل قاسم حداد، أو روائي مخضرم مثل حنا مينة، لكنك في المقابل ستجد محطات يديرها أطباء أعشاب وشيوخ يتحدثون عن الجن والسحر ووساوس الشيطان الرجيم.

أحلم، وأرجو ان تحلموا معي، بقناة فضائية للسيدة فيروز، لعلها تنقي بصوتها هذا الفضاء الملبد بترددات الضجيج والإعلانات التجارية المملة. والملل كلمة مناسبة لوصف ماراثون المسلسلات العربية التي يقال إن بعضها يشعل الخصومات في رمضان بين أفراد الأسرة، بسبب رغبة كل فرد في الاستحواذ على جهاز الريموت كنترول. لكن الرغبة في الاستحواذ على الريموت مسألة هامشية في هذا السياق، ولا تعفينا من تأمل دلالة محتوى ونصيب العرب من الإنتاج والاستهلاك في زمن الوسائط البصرية المعولمة.

لقد أخذنا نصيبنا من العولمة وأدواتها، أو فرضت علينا فجأة قبل أن يستعد لها الوعي الجمعي. بل صادفناها مثل سائق مركبة معطلة فوجئ بإشارة مرور خضراء تجبره من دون رحمة على السير أو إفساح الطريق أمام الآخرين.

لن يدرك المراهقون الذين ولدوا في زمن ثورة المعلومات حجم هذا التحول، لكن الآباء الذين ظلوا يؤرخون لبعض الأحداث الشخصية بزمن البث بالأبيض والأسود يدركون الفارق بين الزمنين. فذلك كان زمن التلفزيون المحلي ومسلسل «دليلة والزئبق»، وهذا زمن «ماتريكس» والمسلسلات المدبلجة العابرة للقارات.

وإذا ما افترضنا أن الدراسات السوسيولوجية قد ابتكرت فرعاً جديداً في علم الاجتماع يُسمى «علم اجتماع التلفزيون»، فإن القنوات الفضائية العربية ستبدو مختبراً مناسباً لتشريح مجتمع يستخدم أحدث تقنيات العصر لخدمة الماضي وإحياء تناقضاته وصراعاته المذهبية، ويكفي هذا التلميح ليتذكر القارئ عدد القنوات الدينية التي تتوالد كل يوم، وتعمل على شاكلة الصواريخ والصواريخ المضادة.

slamy77@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة