أبواب

سريالية للجميع

قيس الزبيدي

«لا توجد سريالية ـ السريالية هي أنا» سلفادور دالي.

مع أن الحركة السريالية انطلقت في أعمال فنانيها في التعبير عن كل ما له علاقة بالحلم واللامعقول واللاوعي، بتأثير سيغموند فرويد، إلا أنه شخصياً، كان يرفض نظريتهم الفنية. وحينما تعرف إلى دالي في يوليو من العام 1938 وشاهد لوحته «تحوّل نارسيس» وكيف عبر فيها سريالياً عن اللاوعي، كتب إلى ستيفان تزفايغ يقول «قبل لقائي بدالي كنت أرجح أن السرياليين، الذين اختاروني، ظاهرياً، شفيعاً لهم، هم مجرد مجانين. غير أن الإسباني الشاب، وهو صاحب العين خيالية رائعة وتقنية عالية لا تنكر، جعلني أعيد النظر في تثميني».

افتتح في الرابع من فبراير العام الماضي، في وسط برلين، ساحة بوتسدام «معرض دالي» الدائم، بمناسبة مرور 20 عاماً على وفاته. وعلى الرغم من أن المعرض سيستمر إلى نهاية العام الجاري، إلا أن زواره مازالوا يتوافدون بكثرة، وكأنهم يلبون دعوته «ادخل إلى رأسي». ويضم المعرض 450 لوحة من أعماله المختلفة، إضافة إلى بعض منحوتاته المدهشة. وواضح أن دالي استعمل، بمهارة خارقة، كل تقنيات الفن المألوفة والأخرى التي ابتكرها بنفسه.

تتشكل لوحات المعرض من مجموعات مسلسلة، حول موضوعات مختلفة، تعرض كل منها في جناح خاص، فقد رسم دالي في سنوات متعاقبة: 20 لوحة حول رواية «المدبب الثلاثي» لبيدرو دي الاركون، و21 لوحة ملونة حول أوبرا «تريستان وايزولدا» و21 لوحة حول مسرحية «فاوست» لغوته، و14 لوحة ملونة حول «ذكريات كازانوفا»، و24 لوحة ملونة حول أوبرا «كارمن». وفي عام 1956/1957 رسم 12 لوحة ملونة لرواية سيرفانتيس تعبر عن تصورات دون كيخوته المجنونة، التي جعلته فارساً يحارب طواحين الهواء، بعد أن تأثر بقصص الفرسان ومغامراتهم. يقول دالي «المجنون لا يعرف أنه مجنون، أما أنا فاعرف».

تُعرض كذلك 100 لوحة ملونة أصلية، هي اكبر مجموعة، نفذها دالي خلال سنتين، عن ملحمة «الكوميديا الإلهية»، وعبر فيها بألوان فرحة وجمالية عن رحلة تيه، شبيهة برحلة دانتي من الجحيم، عبر المطهر، إلى الجنة. لكن الرسوم لم تطبع في الكتاب الايطالي، بسبب حملة شوفينية، تعرض لها الرسام الإسباني، إنما ظهرت في طبعة فرنسية للكتاب في العام .1960

اكتشف السرياليون عظمة السينما وأحبوا طبيعتها العبثية وأسلوبها في تصوير الحلم، وكان دالي أول رسام سريالي ينفذ مع لويس بونويل «الكلب الأندلسي»، الفيلم الذي ولد من تلاقي حلمين سرياليين: .1 غيمة تقطع القمر وموس حلاقة يشق عيناً، .2 سرب من النمل يملأ راحة يد. وأخذ الاثنان، عندئذ، يصنعان الفيلم من حلميهما. وتُخصص قاعة صغيرة في الطابق الأول لعرض الفيلم الكلاسيكي وتعرض بعده مقابلة مع هتشكوك يتحدث فيها عن مشهد «الحلم السريالي» الشهير، الذي نفذه دالي في فيلم «المأخوذ». ابتكر دالي رموزه السريالية الخاصة، التي أصبحت ترتبط باســـمه وتدل عليه: النـــمل والحمار والذباب وشخصية غرافيدا الخيالية وحيوان الكركدنــدن والأسد والثور والجرارير والشارب والعكاكيز. وســــبق لأحد عارفيه أن عقّب «دالي هو الرسام المعاصر الوحيد الذي اصــــطفاه الرب ومنحه الصنــعة وكل هذه الموهبة».

alzubaidi0@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

تويتر