أبواب

حقوق وواجبات

زياد العناني

كثيرة هي السجالات التي تدور الآن في العالم العربي حول ثقافة السلوك المدني ودلالاتها وتجلياتها ومدى ضرورة وجودها في بنية وتلافيف المجتمع المدني. غير أن اللافت حقاً يكمن في أن مدونات السلوك المدني التي تنشأ بدعم حكومي وبشراكة مع منظمة من منظمات المجتمع المدني تنحرف عن مسارها ثم تأخذ جانباً ضيقاً في تطبيقاتها لتنمية هذا السلوك من دون أن رسم الخطط الملزمة لعلاقة قابلة للتطور يمكن لها أن تستثمر لترسيخ التمدن وبناء القواعد المدنية.

كأن الحكومات المتمسكة دائماً بأدوارها المركزية لم تصل بعد إلى فهم شامل لثقافة السلوك المدني، ودليل أنها تتعثر بين سلوك وآخر وتفضل إبراز جانب يخدم توجهاتها وتتجاهل الجوانب الأخرى معززة بذلك عدم التآلف بينها من جهة والأحزاب السياسية والنقابات المهنية والاتحادات العمالية والجمعيات الاجتماعية والثقافية من جهة أخرى.

لم يعد خافياً أن الدولة في العالم العربي تطور بعض المسلكيات الغريبة بطريقة اعلامية وتصر على إضفاء طابع شعبي عليها ،وذلك لأن الدولة ممثلة في حكوماتها لم تعترف بعد ولا تريد أن تعترف بوجود هيئات موازية لها بحكم احتكارها للحيز العمومي إلى الحد الذي يمكن أن نسأل فيه لماذا تحسب المعارضة في الوطن العربي على ما بعد الوطن؟ ولماذا تستبعد كأنها ليست جزءاً منه وسبباً من أسباب قوته ومناعته كما هو حالها في دول العالم المتحضر؟ ولماذا تخاف من اضراب عمال يطالبون بحقوقهم؟ وما الذي يجعلها تمنع انشاء نقابة للمعلمين؟ وبأي حق تقف في وجه الحقوق الأساسية للإنسان وتناهض سعيه في ما يخص حاجاته الروحية والمادية والفكرية.

إن أسوأ ما يحدث بخصوص فرز المحمولات التطبيقية لثقافة السلوك المدني يكمن في خطورة تعظيم المؤشرات المؤدية إلى الواجبات وتجاهل المؤشرات المؤدية إلى الحقوق، الأمر الذي يعني أن التمدن هنا ليس حالة مجتمعية حتى لو جرى تسويق مصطلحات مثل المواطنة أو الحس المدني لأن الظلم سوف يحول دون قبولها وتقبلها، خصوصاً إذا التزم الفرد بثوابت مجتمعه ودولته في حين أن الدولة نفسها لم تلتزم في خضم انشغالها على تنشئة تفريقية تكرس من خلالها جملة من التوازنات التي تعني أن الحقوق مكفولة لمراكز القوى فقط أو المراكز التي تستقوي بها، وأن الإنسان يمكن أن يكون الأوفر حظاً في جهة ما أو الأقل حظاً في جهة أخرى من البلاد، متناسية أن هذه التفرقة سوف تؤدي في النهاية إلى نسف أي مقاربة للنوع الاجتماعي وتهدد مفهوم المواطنة وتحرق مظلة العيش المشترك أو السلم الأهلي.

لا نريد في هذه العجالة أن نزاود على المزاودين أصلاً وكل ما نريده حقاً هو أن ينظر إلى مسألة «الحقوق» و«الواجبات» نظرة أخلاقية تجعل من الحكومة حكومة للناس جميعاً وتجعل من المواطن نظيف الانتماء بلا مسحة ذل وبلا حنجرة قد تهتف للفراغ، ولكنها لن تهتف أبداً لمن سرقوا في «عز الظهر» كل حقوقها.

 

zeyad_alanani@yahoo.com

طباعة