أبواب

عوالم موازية

زياد العناني

في بداية التسعينات من القرن الماضي، كتبت نصا حلمت فيه بجملة من العوالم الموازية، وقلت بلسان مخيالي إن «العالم ليس وحيدا»، والأنكى من هذا وذاك هو أنني تخيلت عالما مستطيلا، وآخر مربعا يعج بمخلوقات رحت أرسم لها ملامح مختلفة عن ملامحنا.

قبل أيام تذكرت هذا النص القديم حين جرني الصديق المترجم الجزائري مدني قصري إلى الحديث عن هذه العوالم الموازية، فاستغربت مدى إيمان الرجل بهذه العوالم ووجودها، غير أن الفارق بين نصي المنتمي إلى الخيال فقط، وبين إيمان قصري يكمن في أنه يتحدث عن عوالم موازية لا تمت بأي صلة إلى عوالم أخرى غير الأرض، بل إنه يصر على وجود هذه العوالم ضمن حيز الأرض، مبينا أنها غير مرئية ولا يمكن أن تكون أو تتكوّن إلا لمن فتح عليه بعين خارقة وبصيرة «رادارية» تستقطب الكشوفات التي تتخفى هنا وهناك.

بيد أن قصري المستغرق كثيرا في لجة العوالم الموازية يصر على الخلط بينها وبين التخاطر، ويؤكد أنه ما إن يفكر في شخص ما أو صديق حتى يرن هاتفه ويحدث الاتصال، مشيرا إلى حقل آخر من حقول الخوارق التي لا ينكرها العلم، ولكنه لايزال عاجزا عن تفسيرها تفسيرا علميا.

ويبين قصري أن الإنسان البدائي بحسب أبحاث الإنثربولوجيين وعلماء التحليل النفسي كان قبل نشوء اللغات يتواصل مع الآخر بواسطة التخاطر، معتبرا أن هذه الميزة ملكة لم يكتسبها، بل هي فطرية فيه وملازمة له.

وبناء على ما يحمله قصري من إيمان بالعوالم الموازية، يصبح العجب بعيدا إن أحس بوجود طاقة متبقية لمن سكنوا البيت قبله، والغريب أنه لا يجد حرجا في القول إن بريده الإلكتروني يُخترق دائما من قبل مخلوقات موازية، تجعل المرء يشك في ما يقول ويستذكر الفصام. ولكن رصانة الرجل ونطقه وملامحه الجادة تجعل المستمع يحترم ما يقول عن هذه العوالم التي لم تمتحن بالوجود المتحقق.

ولكي يتحقق كل ذلك يدعو قصري المستمع إلى التخلي عن عقله لمدة لا تتجاوز الساعة، مبينا أن هذه المدة ستكون كافية لاستسلامه للعوالم الخفية أو بلوغ العوالم الموازية وخوارقها وإمكاناتها الهائلة.

العجيب في هذا الموضوع أن قصري لم يتحدث عن الجن، واللافت ايضا أنه يتجاهل الشياطين، ليس لأنه لا يؤمن بوجودها وإنما لأنه يرى أن كل شيء له طاقة، وأن الطاقة مبثوثة في الكون، وأن العجز كله يكمن في عدم التقاط هذه الماهيات، رغم أنها تسبح في مجالنا الحيوي.

وبعد ليس أمامي وأنا الذي أحب دور المستمع الكريم، إلا أن أتخيل شركة يابانية تصنع جهازا صغيرا يمكن أن نقتنيه ونركبه على الكتف أو يصار إلى ضمه إلى عائلة الخلوي مثلا، لكي نستطيع من خلاله رؤية أصحاب هذه العوالم أو على الأقل سماع ذبذباتهم إذا تعذر الوصول إلى رؤية كياناتهم المادية مجسدة أمام عيوننا وقدرتها المحدودة التي يقال إنها لا ترى ما تحت الأشعة الحمراء ولا ما فوق الأشعة البنفسجية.

zeyad_alanani@yahoo.com

 لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على إسمه .
 

طباعة