أبواب

إنتاج الصراع

زياد العناني

في الوقت الذي تُطلق فيه دعوات من الشرق، لكي تؤكد أن التقسيم الحضاري أو الديني لسكان العالم، يؤدي إلى مقاربة انعزالية للهوية الإنسانية من الممكن أن تكون طريقة جيدة لإساءة فهم كـل شخـص تقـريباً في العالم، تقابلها على الطرف الآخر دعوات من الغرب تعقد المؤتمرات لطرد العرب والأفارقة وربطهم بجرائم تتعلق بالقتل أو الاغتصاب أو الجنح الجنسية الخطيرة.

وبين الدعوتين تحتاج مقولة «إن العالم ليس الغرب فقط»، إلى نظريات فكرية مقنعة، خصوصاً ونحن نعيش الآن جملة من المقاربات التي تؤكد أن الآخر أو الغرب تحديداً ليس بحاجة ماسة إلى التواصل معنا حتى لو انبرت كل النخب العربية لتزيين حالة من التقارب، وذهبت بعيداً في تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة التي تحيط بنا.

العالم هو الغرب، هذه العبارة ليست مماحكة إلغائية للشرق، بل حقيقة تؤكدها المعطيات السياسية والاقتصادية ومن يقول بخلاف هذا فعليه أن يقنعنا، من موقعه القوي بحقيقة واحدة تؤكد أن الشرق كله ليس ضعيفاً، وأن له خصوصية حضارية جديدة غير خصوصيته القديمة القائمة على أنه مركز الأديان، إضافة إلى تمتعه ببعض الثروات الطبيعية.

بات مملاً أن نقرأ تجليات النخب العربية التي تطالب بثقافة التسامح والانفتاح، وكأننا سبب الانغلاق والإساءة إلى الآخر.

كما بات من المهم أن نتعامل مع الغرب أو الآخر باللغة التي يفهمها، وهي لغة المصالح وإدارتها، إن لم نقل لؤم إدارتها.

من يعتقد أن الصراع بيننا وبين الغرب يمكن أن ينتهي بمجرد جملة من الحوارات سيكون على خطأ كبير، إذا دقق في مقولة روبنز إن «الصراع عملية تتضمن بذل جهد مقصود من قبل شخص ما لطمس جهود شخص آخر، وذلك باللجوء إلى شكل من العوائق ينجم عنها إحباط الشخص الآخر وعدم تحصيل أهدافه».

ومن خلال بلاغة هذه المقولة الذكية يتضح أن الصراع مع الآخر ليس محدداً بزمان أو مكان، وأن له بعض الامتدادات اللانهائية، وبناء عليه لابد من إنتاج صراع جديد مع الغرب، بدلاً من التفكير في لغة التسامح ومد جسور الثقة مع عالم برع كثيراً في إنتاج الصراع، وصارت تصرفاته تقول إن الحوار لم يعد ضرورة إنسانية.

من يراقب سياسة أميركا مثلاً، سيدرك أنها تنتج الصراع حول النفط العربي وحول أسعاره وحول السيطرة على منابعه، ويمكن أن تنتج صراعاً حول كل مادة أو سلعة، باستثناء الأفكار التي غالباً ما تستعمل هنا لدعم مصالحها التي لا تتعلق بنشرالديمقراطية والتمدن، وليس لديها أي اهتمام مباشر أو مصلحة حيوية بحوار الحضارات أو الثقافات، أو حتى مجرد التفكير في التعايش السلمي بين الشعوب.

ومن هذه الزاوية تحديداً لابد من التفكير بشكل مضاد لما تطرحه النخب العربية من خطابات تعتمد على «المسكنة»، وإنتاج أكثر من صراع مع الغرب لعلنا نستفيد من الأجواء المتأزمة، مادام الراهن الحالي غير متوافق على أن الحوار مع الآخر، أو الحوار بين الحضارات والثقافات يُعد مطلباً لا غنى عنه للإنسانية، ويصر على التناحر المادي بين الإنسان والإنسان.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

zeyad_alanani@yahoo.com

طباعة