أبواب

صناعة الذكاء

أحمد السلامي

في الحياة اليومية الرتيبة التي يعيشها سكان المدن الحديثة، تتشابه الالتزامات والضغوظ التي يمارسها الوقت والعمل والزحام. ويكاد نمط الحياة أن يلغي خصوصيات الأفراد ويساوي بين البشر في أمور عدة، حتى في مستوى الذكاء الفردي.

وهناك استلاب جماعي يقود إنسان اللحظة نحو التماهي مع سيناريوهات يومية لا تتبدل، أو بالأحرى أن الإنسان بات يفتقد مع مرور الوقت ممكنات نفسية ومادية كانت متوافرة في ما مضى، بالقدر الذي كان يسمح له بتبديل أي سيناريوهات إكراهية، من ذلك الصنف الذي يكاد أن يتحول كما هو الآن إلى ما يشبه فرض الإقامة الجبرية على الإنسان. إقامة تكون احياناً في وظيفة لا يجرؤ على المغامرة بتبديلها.

وثمة إقامة جبرية قد لا تكون مؤطرة بالمكان كفضاء لحركة الكائن، بل إنها إقامة في منطقة وعي مقولب، وفي طريقة أداء محددة ومرسومة سلفاً، حتى في ما يخص استحضار ما يفترض أن يكون جالباً للسعادة.

لم تعد هناك خصوصية من نوع ما حتى في ابتكار السعادات الصغيرة، لأن المزاج العام لا يستهجن التشابه في مجاراة نمط الأزياء أو انتقاء وجبات الطعام.

حالة التشابه والاستلاب الجماعي هذه تكاد أن تكون ضريبة عولمة ساحرة، تجند الإنسان للالتحاق بطابور طويل من البشر.

هذا الطابور يختصر مهمة الإنسان والغاية من وجوده في صناعة فرص ملائمة لزيادة الدخل، وفي التعامل مع المحيط الاجتماعي بذكاء ذي مسحة صناعية باردة. إنه الذكاء الذي تروج له منظومة من الدراسات المكتوبة تحت عناوين التنمية البشرية واكتشاف الطاقات الكامنة في الإنسان.

ويمارس هذا النمط من التلقين مدربون محترفون، ويجنون من ورائه مبالغ طائلة، لكن الوصايا والتعاليم التي يكرسونها في أذهان المتدربين تنتج في النهاية إنساناً آلياً من لحم ودم. سيبدو لك هذا النوع الآلي من البشر ذكياً وسريع الحركة ويتحدث بلباقة، لكن الذكاء الذي يتصف به مقطوع الصلة بالفطنة التلقائية التي كانت مقياساً لتقييم الأشخاص.

كان الذكاء الفردي يمثل من قبل مقياساً لمنح أو توزيع الاستحقاقات للأشخاص الملائمين الذين يستحقونها، لكن الذكاء الفردي اليوم أصبح مجرد أداء قابل للتفكيك والتعامل معه بوصفه نوعاً من التحايل الذي يمكن اكتسابه.

بلغة العصر أصبح الذكاء نوعاً من (الإتيكيت)، مضافاً إليه بعض المهارات الضرورية في تقديم الذات أمام الآخرين.

بمعنى أن الفرادة والألمعية صارت من الأمور التي يمكن اكتسابها بالتعلم أو استجلاب المؤشرات التي قد توحي بوجودها، ومن ثم تلقينها لأغبى شخص، كان في زمن ماضٍ لا يستحق أكثر من وظيفة حارس لا يجيد سوى استخدام عضلاته.

slamy77@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة