أبواب

السلطات الأبوية

زياد العناني

ربما ليس مهماً أن يعاد تعريف العولمة في زحام التعريفات المتنوعة والمتعددة، بعد أن تشابكت خيوطها مع السياسة والثقافة والاقتصاد في آن واحد، وعدّها بعض المشتغلين بمفاهيمها، مجرد مشروع غير ناجز، بمعنى أنه لم ينضج بعد. ولكن المهم في هذا المجال يكمن في إصدار لافت للباحث زياد عبدالله الدريس بعنوان «مكانة السلطات الأبوية في ظل العولمة» يرى فيه نهاية الفترة التي كان فيها الإنسان هو المهيمن أو الزعيم من خلال النفوذ السياسي في الدولة والوطن أو الموقع الاجتماعي، وفي القبيلة والأسرة أو حتى في التميز الثقافي، كما يرى أيضاً أن الدولة ستفقد هيبتها لتصبح السيادة في عصر العولمة لذوي المال ولمَهَرة التكنولوجيا. وأمام هذا الواقع الذي يطرحه الدريس يمكن أن يتقلص مفهوم الدولة في كل العالم أمام هيمنة دولة واحدة ربما تكون أميركا التي تخطط استراتيجياً كي تكون هي الحاكم الأحد للقرية الكونية، بحكم أنها تمتلك قاعدة تكنولوجية ضخمة، وقاعدة اقتصادية متنامية، وسيطرة شبه تامة على كل مؤسسات العولمة الاقتصادية، وقاعدة سياسية عن طريق إضعاف دور الأمم المتحدة وفرض الهيمنة السياسية، إضافة إلى قاعدة عسكرية جبّارة، كما يمكن أيضاً أمام سيناريو من هذا النوع أن تختفي مرجعيات عدة لمصلحة مرجعية واحدة هي ديمقراطية الليبرالية التي أكدها فوكوياما، وبشّر بعدها بنهاية أشكال الحكم البدائية كالثيوقراطية او الديكتاتورية العسكرية.

وبناء على ما تقدم من إمكانات، أو ربما حتميات معدة، ينبثق السؤال المرعب: ماذا سيكون مصير العالم العربي أمام هذا الخطر الذي لن يتوقف عند الشعوب وحسب، بل انه سيمتد إلى تهديد الكيانات الوطنية وشخصية الدولة ونفوذها؟ وما استعدادات الدولة العربية للوقوف في وجه التغير المقبل المتمثل في سعي العولمة تحديداً إلى إلغاء الحدود الثقافية والاقتصادية وبذر مآربها التوسعية؟

لا أحد يستطيع أن يعاين المآل الذي سنصل إليه، ولكن المخاوف التي تتجمهر حولها آراء المنذرين تؤكد أن العولمة ستغيّب الدولة الوطنية، وان غياب الدولة الوطنية أو تهميشها سيجعل السيطرة بيد الشركات الكبرى التي ستدير العالم والشعوب عبر مبدأ واحد هو الربح والخسارة، أما في ما يتعلق بالشعوب فلن يكون هناك ربح، وانما ستكون الخسارة في مقابل الخسارة لا غير.

كل هذا حدث ويحدث، أما الأجزاء المتبقية فهي في طريقها الى الحدوث، ومن يقرأ كتاب الباحث الدريس سيجد أنه لم يكتف بالمعلومات وحدها، بل انه ذهب في بحثه إلى استدراج الأرقام التي تؤكد بشاعة الوجه الحقيقي للعولمة، خصوصاً أنه يرى أن العولمة ستحوّل الدول الى دكاكين تقطنها الشعوب الاستهلاكية المغلوبة وهو ما سيؤدي حتما إلى اتساع الهوة بين عالم الأغنياء وعالم الفقراء ويضع مقارنة تقول إن شخصاً واحداً من أثرياء العولمة يملك مقدار ما يملكه 600 مليون شخص من أبناء الشعوب الفقيرة، وأن 382 من الأثرياء يملكون مقدارما يملكه مليارا نسمة، كما أن عدد الذين دخلهم أقل من دولار واحد في اليوم ازداد خلال الفترة ما بين 1987 و1998 حسب تقرير البنك الدولي، إلى 20 مرة.

zeyad_alanani@yahoo.com

 

طباعة