كل جمعة

.. هكذا نتخلف

باسل رفايعة

مخاوف النظام الرسمي العربي من الحرية هي علة الصحافة، ونكبتها المستمرة، وما يتبقى فمظاهر ونتائج وتداعيات، لا بأس أن تخوض فيها المؤتمرات والمنتديات عقوداً أخرى، فلا كلفة من الكلام في الهوامش وعنها، ما دامت الغاية منه لا تزيد على تسويات وتصالحات مع واقع يعادي الصحافة أولاً، ولا يقبلها إلا إذا كانت «مسؤولة» لا تخوض في المحظور والمقدس، ولا تشتبك مع الأخطاء والخطايا، أو «تنموية» تحرص على توثيق نجاحات وإنجازات الهيئات الحكومية.

الحكومات العربية تتقدم على مثيلاتها في العالم كله في الحديث عن حرية الصحافة وسقوفها العالية، ولكن ممارستها شأن آخر. فهي تعني «حرية» من نوع آخر، جرى تحنيطه في مفهوم لا يقبل الدحض، أو حتى النقاش فيها، والدليل أن الدساتير العربية، ومعها قوانين الطباعة والنشر والعقوبات لم تكفل الحق في الكتابة الحرة، وقيدت الصحافة بقائمة طويلة من المحظورات، يستحيل معها تحقيق المعنى الحقيقي للكلمة، مثلما يستحيل معها تجسيد الحق الأساسي للناس بالمعرفة، من دون شروط، وحظر، ورقابة.

الحكومات تمتلك صحفاً ووسائل إعلام، وهذه مؤسسات تابعة لها، يعمل فيها موظفون على هيئة صحافيين، وهي أكثر قدرة من القطاع الخاص على تأمين الرواتب والضمانات الوظيفية في التقاعد والمرض. أي أن الطرفين رابحان في هذه العلاقة التبعية، وعلى الطرف الأضعف أن يحرص دائماً على تحقيق الفهم الحكومي للحرية. أي في غيابها تماماً، وتسويق التعتيم، بوصفه ضوءاً يبهر الناظرين، بعد التنازل كلياً عن الدور الفاعل للصحافة، وتركه كليّاً للحكومات تقرر فيه ما تشاء، وفقاً لمخاوفها وظنونها، وشكوكها التي لا تنتهي.

..هكذا نتخلف. الحكومات تظن أن الإعلام يواكب التنمية، وتعتقد أنه يتطور تبعاً لذلك إذا كان فقط في خدمة ترويجها، والثناء على مشروعاتها، وليس إذا كان عيناً مفتوحة بثقة على الفساد بأنواعه ودلالاته. بينما هي لا تريد أن تدرك أن الأمر ليس كذلك، نظراً إلى تخلف التعليم فلسفةً ومناهج ومخرجات، وغياب الممارسات التي تشجع الإبداع الذي يتراجع ويضمحل في البيئات الفقيرة بالحرية، وما يتصل بمناخها الأساسي من ديمقراطية، ومشاركة سياسية حقيقية. الحرية في المنظور الرسمي العربي تترادف مع الفوضى والانفلات، وأنْ يكتسبها المجتمع فهذا لا نتيجة له سوى فتح الباب واسعاً أمام الحقوق المدنية والسياسية. فما لهم ولهذا الصداع الذي يسهل تسكينه؟ مع أن التجارب الإنسانية أثبتت دائماً أن الحرية نقيض للخراب، وضامنٌ فعال لمواجهة اليأس الاجتماعي والتطرف الفكري.

علة الإعلام معروفة للجميع، وعلاجها تأخر كثيراً، مثلما تأخرت الأمة العربية كثيراً في السباق الحضاري، وقررت أن في إمكانها اللحاق بالعالم المتحضر بجلب منجزاته المعرفية والتكنولوجية، منزوعةً من سياقاتها الأساسية، لتكتشف أن الوصفة ليست صحيحة أبداً. فالصحف العربية تكيّفت مع التقنية الحديثة، بعدما استوردتها، ويمكن الآن تصفحها على الإنترنت، ومن خلال الهواتف الذكية، شأنها شأن الصحف العالمية المتطورة، لكن المحتوى الذكي والمختلف والحديث لا يمكن استيراده وتعريبه دائماً، لأنه نتاج خصوصية ثقافية، وعليه أن يكون حراً أولاً في بيئته، وينبع من أسئلتها وحاجاتها، وإلا فإن العطش سيظل يجفف الحناجر والعقول.

baselraf@gmail.com

طباعة