كل يوم
«كي جي» و«كي جي بي»!
ربما تكون الحروف متشابهة، لكن التباعد بينها في المعنى كبير جداً، فالـ«كي جي» مثلاً، لا تشبه في معناها بأي شكل من الأشكال الـ«كي جي بي»، وكما يعرف الجميع فالأولى اختصار لكلمتي «كيندرجارتن»، التي تعتبر مرادفاً لكلمتي «روضة الأطفال»، أما الثانية فهي جهاز الاستخبارات الروسي الشهير، الذي يعتبر واحداً من أقوى أجهزة الاستخبارات في العالم، والفرق بين طفل الروضة أو الـ«كي جي»، وعميل الـ«كي جي بي» كبير جداً، ولا يمكن إيجاد أي شبه أو نقطة التقاء بينهما!
سبب وحيد جعلني أضع هذه المقارنة، هو التكلفة المالية الخاصة بإدخال طفل في دولة الإمارات إلى فصول الروضة، مقارنة بالتكلفة المالية لإعداد عميل متميز في جهاز الـ«كي جي بي»، ومن خلال معرفة الرقم المدفوع نستطيع التوصل إلى نقطة التقاء رئيسة بين الجهازين الـ«كي جي» والـ«كي جي بي»!
47 ألف درهم تطلبها مدارس في الدولة من أجل قبول طفل في مرحلة الروضة، من أجل أن يلعب، ويرقص و«يشخبط شخابيط»، ومن أجل أن يتعلم «ون تو ثري»، و«أيه بي سي»، ثلاثة أحرف، وثلاثة ألوان، وثلاثة أعداد، وإن تعداها فإنه لن يصل إلى العشرة أو العدد «تن» في أي حال من الأحوال، طبعاً لأن فترة الدراسة قصيرة، خصوصاً مع قصر الحصة الدراسية الخاصة بالأطفال، وبالتالي فإنه من الصعوبة بمكان إيصال المنهج إلى العدد عشرة والاكتفاء بالأعداد من واحد إلى خمسة!
ومع ذلك، فإن ذوي الطلبة مطالبون بدفع مبالغ من نوع 47 ألف درهم، بالتمام والكمال، يزيد هذا الرقم قليلاً أو ينقص قليلاً، ليس هذا بالمهم، المهم أن هذه الرسوم هي نظير الرسوم التعليمية للمدرسة، مضاف إليها أرقام ومبالغ أخرى، في حال أراد ولي الأمر أن يستخدم المواصلات، وبالطبع فإن الرقم لن يشمل حفاضات الطفل و«سندويتشاته» و«عصيره»، لأن «اللانش بوكس» هو مسؤولية الأهل، وعليهم أن يدفعوا تكاليف «الناني» التي ستعتني بطفلهم فترة الدراسة، حتى لا ينشغل هو عن دراسته «الأكاديمية»، ويضيع وقته في الذهاب إلى الحمام لتبديل «البامبرز»، فمسؤوليته تحتم عليه التركيز بشدة في دروسه العملية والنظرية، وعليه أيضاً مسؤولية كبيرة في حفظ أشياء كثيرة مثل أنشودة «حمارنا حمارنا رأسه يؤلمه»!
بالتأكيد، لن يبخل أي من أولياء الأمور في مسألة مهمة كتعليم الأبناء، وهناك من يجددون قرضهم البنكي بشكل سنوي لدفع تكاليف الدراسة لأبنائهم، ولكن أيضاً لابد من وجود شيء من المنطق، والمنطق هنا يقول إنه لا يمكن أن تكون تكلفة تعليم طفل الروضة هي ضعف تكلفة تعليم طالب جامعي، ولا يوجد ما يبرر استنزاف الآباء والأمهات بهذه الطريقة المبالغ فيها، فهل يا ترى سيتخرج الطفل في الـ«كي جي 2»، ليلتحق على الفور بوكالة «ناسا» الفضائية الأميركية ليصبح رائد فضاء، أو سينخرط فوراً ليصبح طياراً في «طيران الإمارات»، أو مهندساً في مفاعل الطاقة النووية المزمع إنشاؤه في الدولة قريباً، كل العملية قليل من الرقص وقليل من الألوان والأناشيد المضحكة، فهل تستحق في المقابل دفع مبلغ كهذا؟!
لا ننكر أهمية الاهتمام بالأطفال، ولا ننكر ضرورة تأسيسهم بشكل علمي مدروس منذ سنواتهم الأولى، لكن كل ذلك لن يكون في الـ«كي جي» مهما كان شكل الروضة ومستواها وخدماتها الفندقية!