‏أبواب‏

‏العقل المنتج‏

زياد العناني

‏يمكن لأي قارئ أن يقرأ بلا ملل كتاب «وحدة العقل البشري» للكاتب محمد يغان، ويطل على بحثه الموسع الذي يتناول بصورة نقدية بنية العقل الكوني وتشكلاته، ويتوقف عند رؤيته لبنية العقل العربي من باب النقد لمنتجاته، والتمييز ايضاً بينه وبين العقل الغربي وآليته في خلق النماذج المثالية ليس في مجال العلوم الدقيقة فقط، وإنما يتجاوزها ويتعداها إلى العلوم الإنسانية بأصنافها كافة.

وبقصد محنك لا يعدم الدال والمدلول، يضعنا الباحث يغان بين العقلين الغربي والعربي، لنقرأ ونلمس أن هناك عقلاً يمكن أن يكون ناضجاً، وآخر يمكن أن يظل بدائياً، وذلك لأن الأول ينتج، ويطوع الأشياء لمصلحته، فيما يتوقف الثاني عن التعامل مع محيطه، بسبب تعلقه بالماضي، في محنة واضحة لا تستنبط ولا تحاجج ولا تتقدم ولا تتأخر ولا تفصل بعد بين الدين الذي رأى سبينوزا أنه وسيلة أخلاقية في المجتمع، وبين العقل المتجاوب مع معيار المنفعة أو العقل الذي لا يستثني جهة، أو يتحجم في جهة واحدة.

ويطرح يغان أمثلة على العقل الناضج في العلوم الدقيقة، تتعلق بالنماذج الهندسية المثالية التي استنبطها العقل الغربي، وملاحظاته للتنوع والتعدد الهائل في الظواهر المحيطة به، بدءاً من المثلث المثالي، الذي سمح للعقل باستنباط العلاقات المعروفة بين أجزائه من زوايا وأضلاع، وكذلك الدائرة الكاملة وقوانينها، وانتهاء بالإطار المرجعي المثالي الذي استبط نيوتن خلاله قوانينه الشهيرة الثلاثة.

غير أن هذا الكتاب الذي ورطنا في أكثر من معادلة فيزيائية مهمة كنا بحاجة إلى أدق تفاصيلها، خصوصاً حين عاين توظيف نموذج النظام الشمسي الكوبرنيقي في نموذج بوهر للذرة وصوّر لنا كيف أن النواة الثقيلة تماثل الشمس في المركز، والإلكترونات تماثل الكواكب في أفلاكها المحددة، وشرح لنا استعارة نموذج نيوتن لقوى التجاذب ما بين الأجسام، وقانون التناسب العكسي مع مربع المسافة وتوظيفه في بحث تفاعل الأجسام المشحونة كهربياً لم يذهب إلى تورطنا في مقارنة بين ماهية العقل المستسلم، أو العقل المستقل، ولم يتوجه بنا نحو حجم النطق الغيبي في العقل العربي، وكذلك الغربي، ولم يركز على حجم السلطة في العقلين معاً.

غير أن هذا النقص لا يمنعنا من القول إن كتاب يغان يشكل إضافة فكرية ونوعية لا يمكن التقليل من شأنها في تقارب العلمي مع الفلسفي، خصوصاً أنها تتجاور مع أفكار هشام غصيب اللافتة في هذا المجال، التي اهتمت بالنظرية النسبية، وبطرائق الفيزياء النظرية، وربطت بين العلمي والفلسفي، ودعت الى تثوير مفاهيمنا ومعتقداتنا، والولوج إلى عصر العلم بالسرعة القصوى، وبكل تقانته، واستيعاب منظومة الحداثة بأبعادها المختلفة في مغامرته التي اطلق عليها اسم «الاستغراب» ـ الذي هو نقيض الاستشراق ـ والتي أكدت أن الإنسان العربي يعيش بوجدانه أكثر من عقله، وأن الصورة الغيبية للوجود هي الأرسخ في العالم العربي، وأن هذه الصورة تحتاج إلى ثقافة ثورية لا نهائية الطابع، تنطوي على إمكانية إعادة تركيب وعي أكثر قدرة على التكيف مع النهائي واللانهائي في هذا الوجود.‏

zeyad_alanani@yahoo.com

 

طباعة