‏أبواب‏

‏الشعر والسلطة‏

زياد العناني

‏يبدو أن الأزمة التي يمر بها الشعر العربي حالياً، ليست أزمته، وإنما أزمة بلدان وأحوال شرائح اجتماعية مثقلة بهموم وانكسارات تؤكد أنها ليست بخير، كما تؤكد أيضاً أن الثقافة مرتبطة بالوعي المديني وطبيعته المتقلبة والمتغيرة.

من يطالع العصور المزدهرة للأدب العربي سيجد أنها برزت وازدهرت في ظل القليل من الاستقرار السياسي الذي كان يدعم مكونات الثقافة، من شعر ومسرح وسينما، وأوجه أخرى للترفيه والتسلية، ويستظهرها في طياته المدينية، لكي تؤشر إلى حيويته وحيوية المجتمع الذي تنتمي إليه.

غير أن هذا الاستقرار السياسي في العالم العربي كان على ما يبدو استقرار برهة أو مرحلة سرعان ما تذوب بفعل الانقلابات أو الزلازل التي كانت ولاتزال تحيط بنا من الجهات كافة.

بيد أن بعض الأنظمة السياسية المنفتحة ـ على قلتها في العالم العربي ـ قد أسست لثقافة لا تقوم على التوتر والجمود، وأفردت هامشاً للإبداع الثقافي حتى وإن مسها بالنقد، أو فتش في مسيرتها، على العكس تماماً من الأنظمة السياسية المتزمتة التي وجدت أن مهمتها الكبرى تكمن في وضع العصا في الدولاب، وإيقاف العملية الإبداعية من خلال حصرها بجملة من الدوائر لمراقبة ما ينتج عنها من ابداع، ومن ثم منعه أو تهميشه وصولاً إلى قيادة الفعل الثقافي وتطويعه ليكون تابعاً لها.

وبناء على ما تقدم، قد يتوهج الشعر العربي في مشهد ما، وينطفئ في مشهد آخر تبعاً للمزاج الرسمي أو السياسي المؤثر في المزاج الشخصي والجمعي معاً إلى الحد الذي يمكن أن نعاين فيه البنية السياسية الطاردة أو البنية الحاضنة كما يمكن أيضاً أن نتأكد أننا نعيش ضمن مشهد ثقافي حي، وبنظام سياسي حي، أو نعيش رداءة الاثنين معاً.

إن رداءة الشعراء يمكن أن تؤشر إلى رداءة الأنظمة دائماً، خصوصا ان هناك ربطاً واضحاً بين الشعراء وبين بعض الأنظمة، يتأكد كل يوم عبر قصائد المدح التي لا تنفك تسم المشهد الشعري بتملقها الرخيص وكذبها، بدلاً من الذهاب الى جماليات القول الشعري والعمل على تخليصه من النقص في اللغة وفي المعنى.

ومن هنا لا عجب أن يتفق بعض الشعراء المرتبطين بشرط السلطة مثلاً وبالضوابط التي تحيط بها على جملة واحدة ربما تكون بمثابة شكوى قيلت ولاتزال تقال وهي «نساؤنا لا يتذوقن الشعر» مع كثير من الاستغراب الذي يجري فيه نسيان أن الشعر الذي كان عند العرب ديوان علمهم، ومنتهى حكمهم قد تمدد الآن وصار مأوى لجماليات كثيرة ومعرفة لن يخضع لهم ولن يخضع لأي شرط تعسفي، وقد تكون نساء الشعراء أدرى بمعادنهم ودواخلهم وأقوى ذائقة من النقاد ومن الشعراء أنفسهم.

غاية القول، إن الدولة المدنية في كل العالم تترك الشاعر بين خياراته الإبداعية؛ لأن في ذلك مصلحة مهمة لها، ولأنها أيضاً تعلم أن الشاعر ليس مزيناً وليس سيارة إسعاف، وليس شاهد زور، وليس بندقية صيد أو دبابة على معبر، وإنما هو نبض الصامت وحنجرته، ومخيلة الحالم، كما أنه المعني الأول بتفاصيل الإنسان وهمومه الوجودية، وربما ببلاغته الخرساء أو المخبأة.‏

zeyad_alanani@yahoo.com

 

طباعة