‏أبواب‏

‏القرن التاسع عشر

زياد العناني

‏‏من المؤلم أن يستقر في الوعي الجمعي العربي أن نهاية القرن التاسع عشر كانت بداية عصر النهضة والتنوير في الترجمة والتمدّن والحداثة، وأن هذه البداية قد استمرت إلى منتصف القرن العشرين، في الوقت الذي لم يتجاوز عدد الجامعات العربية ودور النشر والصحف عدد أصابع اليد الواحدة.

ففي القرن التاسع عشر انبثق أول مخرجات النخب المتعلمة مع العائدين من الغرب، خصوصاً من فرنسا، وبدأ الحراك الثقافي يأخذ مداه على مستواه الثقافي بعيداً عن المستوى السياسي، ومطامحه الساعية إلى منصب ما،أ أو سلطة معينة، وذلك لأن الاعتقاد اللافت آنذاك هو أن سلطة النخب المتعلمة أكبر من أي سلطة، لأنها ممثلة لكل الشأن العام في الحاضر والمستقبلأ أيضاً. ففي القرن التاسع عشر ازدهرت الثقافة العربيةأ من خلال أسماء عدة لم تكتف بالشهادة العلمية، أوإنما لجأت إلى نقل العلوم الإنسانية وطرحها بلغة نقدية في العالم العربي كثقافة بشرية تخص الجميع، ولا تخص جهة مستعمرة يجب تجنبها أو مناهضة أفكارها.

ومن هنا سعت هذه الأسماء، جنباً إلى جنب مع جهودها الخلاقة، إلى تمثل عبارة ماثيو آرنولد القائلة إن «الثقافة تمثل إعادة بناء للمثل الإنسانية» خير تمثيل، ولم تحفل أو تتوقف عند الاتهامات الطفولية التي تقول إن تغيير الثقافة يعني تغيير الأوطان أو المعتقدات.

مياه كثيرة مرت من تحت الجسر، وما بين القرن التاسع عشر والقرن الحادي والعشرين، ولكن هذه المياه لم تغسل سوى أجسامنا وملابسنا، فضاع قرن كامل لم نتميز فيه عن غيرنا، ولم نضف فيه أي نكهة حضارية جديدة تقول إننا من العالم الثاني على الأقل،أ والأسوأ من هذا وذاك أننا لم نبق ضمن منظومةأ دول العالم الثالث، بل هبطت بنا الحال إلى مناطق أخرى، في مقابل ارتفاع دول أخرى لم تحظ بأي نصيبأ من الإرث الحضاري القديم، ولكنها بدأت تسهم إسهامات جديدة لها مدلولها الحضاري، وتسير مع الركب.

أين نحن الآن من إضاءات القرن التاسع عشر مع وجود هذا الكم الهائل من الجامعات العربية ومراكز الدراسات والبحث العلمي؟ ولماذا تجري الأشياء وهي بعيدة عنا وخارج التاريخ تماماً؟

ربما يجدر بنا أن نسأل: ما فائدة الثقافة إذا لم تخترق الأنساق السياسية وتكيفها من خلال استمالتها بالقوى الناعمة بعيداً عن الأنفاس الثورية التي لم تفعل شيئاً سوى تكريس سلطة السياسي وتحويلها أكثر وحشية مما كانت؟

نحتاج إلى نهضة فكرية وعلمية وثورة صناعية تمزج فيها الإرادة السياسية التي لا يمكن ضبطها إلا من خلال ضمها إلى الإطار المعرفي وتحريكها آنياً،أ بدلاً من تصفية الحسابات معها، مادامت هي الأداة الوحيدة لتنفيذ الإصلاحات والمنجزات، حتى لو تم الأمر باسمها وتسجيل مزاياها الشوفينية.

نعرف أن السلطةأ تخاف من كل شأن يتعلق بالنهضةأ، ومن هنا يجب على النخب المتعلمة طرح آلية تغيير لا تشملهاأأ من أجل مسايرة حاجتها إلى الأمجاد والاستفادة من غرورها، لأن المهم هو أن نتحركأ في إعادة إنتاجها وتحويلها إلى سياسة متعالمة ومتورطة في فعل الإصلاح ومتباهية به ومقابلة انتهازيتها السائدة بثقافة ذكية تستطيع أن تخترق حديدها وتصهره في انساقها،أ قبل أن ينتهي القرن الجاري ونجد أنفسنا في منازعة معها، قد تُمد إلى قرن آخر، والقرن طويل. ‏

zeyad_alanani@yahoo.com

 

طباعة