العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    شرطة دبي.. الآن

    إبراهيم جابر إبراهيم

    دبي الآن، بعد عملية «بستان روتانا»، غير دبي قبلها!

    والصورة التي تشكلت للإمارة، وللإمارات، في المشهد العالمي، منذ الآن، مغايرة تماماً، على كثيرٍ من الأصعدة.

    و«إسرائيل» أيضاً، بعد العملية، غير «إسرائيل» قبلها!

    فالبعض الذين كانوا يرون في دبي مدينة من الزجاج والأبراج، وفي مقدمتهم عربٌ كثيرون، لطالما استخفّوا بالإمارة الصبية، وتعاملوا مع شغفها بالتطوير والإعمار على أنه «مراهقة عمرانية»، وأنها إمارة للترف، بُهروا هذا الشهر بقدرات دبي «الأخرى»، وبأنها إمارة مُحكمة التَسوير، والأمن، عصيّة على العبث، وأنها إمارة مؤسسات، قادرة على الردع، والحفاظ على منجزها، وليست مجرد حديقة فارهة يؤمّها السيّاح وهواة التزلج!

    ما أنجزته «شرطة دبي»، للحق، يجب أن تغار منه دولٌ عربية كثيرة، وكبيرة، أنفقت نصف قرنٍ من عمرها تهجس بالتوازن الاستراتيجي مع العدو، لكنها لم تستطع حل لغزٍ أصغر من ذلك بكثير!

    وأن يكون أيضاً مصدر غيرة دولٍ مثل بريطانيا وفرنسا وإسبانيا، لم تحلّ فيها ألغاز التفجيرات حتى الآن، ولم تخرج للناس بحقيقة ما حدث، ومَن خلف التفجيرات في محطات المترو!

    بل إن دولة كانت على مدار عقود مسرحاً للتصفيات الدموية مثل لبنان، وحازت خبرة في هذا المجال، لم تنجز في تحقيقها باغتيال الحريري، في سنوات، ما أنجزته دبي في أيام!

    ولم تسفرعمليات التحقيق في اغتيال ياسرعرفات، أو عماد مغنية، شيئاً حتى الآن.. أو ربما أسفرت ولم تُعلن، وهذا يقودنا الى نتيجةٍ أخرى، ربما هي في المقدمة من كل ما سبق، وهي شفافية «شرطة دبي»، وخروجها على الناس بالحقائق أولاً بأول، وثقتها بنفسها، وأن ليس لدى الإمارة ما تخفيه أو تخشى منه، وهذا يُرتّب على الآخرين من أطراف القضية، بمن فيهم الطرف الضحية، أن يكون بهذه الشفافية!

    وللحق فإن البعض في الإعلام الغربي، الذي اتهم «دبي» هذا الأسبوع، بأنها مهووسة بأمنها، يبدو أنه لم يزرها، لأن الذين زاروا دبي وحدهم يعرفون أن بإمكانك أن تعيش فيها سنوات دون أن ترى حتى شرطي سير يعترض طريقك!

    (صديقي زياد عبدالله قال لي الأسبوع الماضي إن الشرطي الوحيد الذي تعامل معه في دبي، هو شرطي السير الذي وقف ليبدل له - وليس ليساعده - عجلة السيارة، وكان شرطياً مواطناً)!

    ودبي خاليةٌ تماماً من أي مظهر عسكري أو شُرَطي، وقد تساءلتُ مرةً بيني وبيني: أين أمن هذه البلد؟ لم أر مرة عسكرياً عائداً من الإجازة، أو رجل أمن سرّي يزيح طرف الجاكيت متباهياً لترى طرف مسدسه كما يحدث في بعض البلاد!

    لكن دبي تتقن جيداً أمن القبضة الناعمة (مركز شرطة دبي يشبه من الخارج مركزاً لتعليم الموسيقى!) وتدرك كيف تحفظ أمن المقيمين فيها دون أن تزعجهم، أو تنغّص عليهم، أو تربكهم، أو تجعل شرطتها يتعالون عليهم في ذهابهم وإيابهم!

    «شرطة دبي»، ورئيسها ضاحي خلفان، كانا الأسبوع الماضي «المانشيت» الرئيس في صحف العالم وفضائياته، ورغم أن المناسبة التي عرف فيها العالم كل هذه القدرات، لم تكن فرصة سعيدة، لكن دبي منذ اليوم دخلت إلى نادٍ جديدٍ ومختلفٍ من المنافسات، احتلت فيه المركز الأول، متفوقةً على أعرق الأكاديميات الشُرَطية، اسكوتلانديارد مثلاً، وتستحق دبي الآن من العرب قبل غيرهم أن يعترفوا لها بالتفوق، في مجالات جديدة، لأنها الوحيدة التي دون استعراضٍ وجعجعة وفذلكات تلفزيونية، أطاحت بصورة «الموساد» الكلاسيكية المرعبة، وجعلت عملية اغتيال القيادي الفلسطيني محمود المبحوح، تفشل فشلاً سياسياً ذريعاً وإن نجحت جنائياً!

    وللحساسية الموروثة في شرقنا بين قبضة الشرطي وحرية الكتابة، تظلّ الكتابة عن رجل الشرطة محرجةً لأي كاتب، لكن ضاحي خلفان تميم، ومَن خلفه جميعاً، يستحقون أن نرفع قبعاتنا احتراماً لهم!

    فهذه القدرات المبهرة من شرطة دبي، وهذه الشفافية في خطابها، تستحق تقدير كل واحد، بعد أن نجحت في جعل هذا الكيان يصاب بـ«العادية»، وجعلت دولة الميركافا التي لا يستطيع أحد أن يضع عينه في عينها، والجندي المدجج بالخيلاء، دولة الأباتشي التي تنبش السماء بحثاً عن أبراج حمام، الدولة الدبابة التي تقضم العشب والشعب معاً، تمسح عرقها خزياً أمام كاميرات التلفزيون!

    nowaar@hotmail.com

    طباعة