تبرير الانتقالات

أحمد السلامي

أقصد بالانتقالات الخطوات التي يقدم عليها المبدع محاولاً أن ينجز عملاً يحدث فارقاً نوعياً في مسار تجربته على مستوى الشكل والمضمون، سواء كان فناناً أو رساماً أو أديباً يحترف الكتابة.

وأقصد بتبرير الانتقالات، أن تتضمن الخطوة الجديدة التي ينجزها الفنان، ما يجعل المتلقي يطمئن إلى أنها لا تعكس مجرد الاهتمام العشوائي بمجاراة موضة سائدة لدى الآخرين، وأن تكون الانتقالة الجديدة قد وجدت في التجربة السابقة جسوراً مهدت لعبور التحول.

في هذا السياق ينبغي ألا نتجاهل مقدرة المتلقي على الفصل بين أعمال تلهث خلف الموضة وأخرى تحتكم لتحولات في رؤية المبدع وفي وعيه بالشكل الذي ينتجه، وبوسع المتابع لتجربة ما أن يستشف المقدمات الممهدة لأي خطوات لاحقة، وبوسعه كذلك أن يميز بين التجارب التي تتصف بالسكونية ولا تحمل بذوراً لاستزراع التحولات وبين التجارب الأخرى المنفتحة دوماً على أفق مستقبلي، والقادرة على التماهي مع اللحظة الإبداعية وفق شروط ذاتية نابعة من داخل التجارب وليس من خارجها.

لا أدري بالضبط كيف تعالج النظريات الأدبية هذه المسألة، لكن المحفز لمناقشتها هو اتجاه بعض المبدعين (من حقول مختلفة) لمغازلة نخب متنافرة والتقرب إليها عبر مجاراة ذائقتها.

لا يتوقف الأمر عند حدود التمسح بأشكال إبداعية جديدة فقط، بل إن أقدام الراقصين أصبحت تهز كل الحبال.

لتقريب الصورة أكثر يمكن تخيل الحالات التالية وما يوازيها في الواقع الراقص، ولا تخلو الساحة العربية من هذه النماذج:

الشاعر الذي ينظم قصائد عمودية تشبه في جلافتها وغياب الشعرية عنها أعمدة الخرسانة في عمارة مهجورة، حين يبدأ بشحذ همته لتأليف كتاب نقدي يتأمل جماليات الانزياح في قصيدة النثر، وهو الذي لم يكتب سطراً واحداً من قبل في هذا الحقل الشائك العصي على المقاربة.

وهناك الفنان التشكيلي الذي تتقلب به الأحوال فلا تستقر تجربته، لأنه بلا تجربة حقيقية تنمو وفق مسار طبيعي في وعيه وممارسته، فتجده ينتقل من محطة تشكيلية لأخرى بسرعة البرق.

وعلى المستوى الفكري والسياسي، ثمة من يتحولون مع اتجاه الرياح، وهذا النوع من البشر لا يهمهم تبرير تقلباتهم، لنتأمل:

الأستاذ الجامعي اللامع الذي ينحاز نظرياً للعلمانية، إلا أنه ينحاز عملياً في بلده لتيار سياسي يتخذ من السلفية إطاراً لمقاربة الواقع.

أما المفكر الحداثي الذي يشارك في ندوات عالمية تعالج قضايا حقوق الإنسان وخطورة تجنيد الأطفال في الحروب، فإنه يظهر فجأة في القنوات الفضائية ليتحدث بإعجاب عن الأوضاع في بلد عربي لا يختلف اثنان حول فداحة الحروب الأهلية التي تقوده إلى الهاوية.

أليس في مثل هذا التواطؤ ما يشي بتناقض مع الذات بهدف الاسترزاق والضحك على الذقون؟!

 

slamy77@gmail.com

طباعة