تعكير العلاقات

زياد العناني

ما من مسؤول عربي يُكتب له أن يخرج على المحطات الفضائية إلا ويتبجح في الحديث عن حق المواطن في ممارسة حرية التعبير، ويشير إلى إصرار حكومته على عدمأ تأييد التجاوز على الحريات العامة.

هكذا هو الشعار الذي يطرح دائماً، وحين يجد المواطن أو الصحافي أو المفكر نفسه مشاركاً في حلقة من حلقات مناقشة الشأن العام، يُساق مخفوراً في اليوم التالي إلى السجن مباشرة، وتتلى عليه تهمة سخيفة تتمحور في تعكير العلاقات مع دولة أجنبية، وإشاعة أنباء كاذبة من شأنها النيل من هيبة الدولة، إضافة الى تسميم الأجواء بالعنصرية والعرقية والعبث بالسلم الأهلي.

وبناء على هذه التهم وملحقاتها واجتهادات الأنظمة في بنودها يمكن للمواطن الذي يتمتع بحق التعبير، ضمن برهة محددة، ثم يصبح فجأة عدواً لمصطلح مكافحة الإرهاب لمجرد انه انتقد هذا المصطلح الذي لا يستعمل إلا ضد المسلمين والعرب، فيحصل على تهمة وحكم قد ينهب من عمره المقصوف خمس سنوات، هذا إن لم تمعن هذه الأنظمة في تجريمهأ ببقية التهم الأخرى. لماذا تورط الحكومات العربية مواطنها في فعل «الحكي» وذلك حين تؤكد على حمايتها لحق التعبير، وما المقصود من وراء السماح بهذا الفعل الملتبس ثم الفتك بمن يمارسه؟

ربما تقصد بعض الحكومات العربيةأ أن حق التعبير ينحصر في إضفاء الشرعية على جهودها المبجلة فقط، وربما انها تعطي هذا الحق للمواطن كي يكيل المدح لسياساتها التي تصب في مصلحة الوطن.

ثمة خلل في هذه المنطقة تحديداً وثمة أكثر من سؤال يحوم حول قصد بعض الحكومات العربيةأ وغاياتها من توريط الناس بمفهوم حرية التعبير وتثقيفه، غطاءً مناسباًأ لممارسة الأحكام العرفية. أ

ألم تدرك الحكومات العربية التي تتمترس وراء شعار هيبة الدولة أنها صارت تعتبر المواطن شكلاً من أشكال الإساءةأ للوطن لمجرد أنهأ يحمل رأياً لا يتوافق مع رأيها، أو يتطابق مع ما تراه الحق كله في استثمار مصالحها لا غير؟

هل المطلوب أن يبصمأ كل المواطنين على رأي واحد وإذا ما خرج واحد وانتقد توجهاتها يصير عدواً لها أو عدواً للدول الصديقة؟

من أين أتت تهمة العداء للدول الصديقة؟ وهل من أحدأ قرأ ولو مرة واحدة تهمة مماثلة وجهت الى شخص من الولايات المتحدة أو إلى مواطنأ إنجليزي أو سويدي أو روسي؟

إن تهمةأ «تكدير العلاقات مع دولة أجنبية» ليس لها أي وجود فعلي في الغرب لأنها صناعة عربية بامتياز تنتجها المصانع العرفية التي صارت تخاف على مواطني الدول الأجنبية أكثر من خوفها على مواطنهاأ الذي يجنح للسلم أصلاً، حين يعترض على انشغال دولته بالبحث عن حروب ومعارك لا شأن لهاأ بها ولا مصلحة مفيدة.

يبدو أن المطلوب هنا ليس التوقف عن فعل الحكي أو العودة بالناس الى مرحلة ما قبل التعبير، وإنما خلق نسخةأ «حكواتي» من نوع آخر يقول للناس إن أميركا لم تحتل العراق ولم تحتل أفغانستان، ولم تقتل أحداً ولم تطلق على الشعبين طلقة واحدة، ولم تدعم إسرائيل في حربها لإبادة أهل غزة، وان كل ما يجري من أفعال قامت بها، أو ستقوم بها في المستقبل،أ سيصب حتماً في مصلحة القضايا العربية والقضايا العالمية على حد سواء.

zeyad_alanani@yahoo.com

طباعة