نهاية زمن الرسم

أحمد السلامي

وجد الفنانون في الغرب مبررات عدة، ضغطت باتجاه تكريس «الفن المفاهيمي»، المعني بمعالجة الأفكار وتجسيدها بوسائط وتقنيات حديثة من بينها الفيديو آرت والصور الرقمية، وجاء هذا التحول اتساقاً مع «التطور التكنولوجي والتأثير الطاغي للاكتشافات العلمية في جميع الجوانب الحياتية منها التشكيل»، وذلك يعني التلويح لريشة الرسام التقليدي وإيداع ميراث التشكيل في متاحف تؤرخ للفن.

في تعليقه على دورة سابقة لبينالي فينيسيا، يرى موسى الخميسي أن الفنان الغربي «أصبح معذباً بالمعرفة أكثر من حرفيات الفن»، وأن اكتساح الأعمال المفاهيمية للبينالي في دوراته الأخيرة يقدم «صورة واضحة عن أزمة اللوحة الفنية التي وصفها أحد النقاد بأنها تحتضر بعد ان دفنت أختها القصيدة الشعرية»! هذا ما يحدث في الغرب، ولكن ماذا عن الشرق الذي لايزال ينشد الشعر ويتغنى بعيون المها؟

ترجع الفنانة العمانية فخرية اليحيائي سبب رفض هذا النوع من الفن إلى أن الفنان في العالم العربي لايزال منشغلاً بمواصلة بحثه عن هوية خاصة تدمج بين الأصالة والمعاصرة، بينما جاءت نشأة الفن المفاهيمي في الغرب بسبب ملل المبدع من الإطار التقليدي للعمل الفني، لذلك تحول من البحث وراء مفهوم الجمال الفني إلى السعي وراء جمال الفكرة أو التعبير عنها، فعرف الفن المفاهيمي بأنه محاولة لتحويل الفكرة وجعلها ملموسة.

ومعلوم أن الفن المفاهيمي ظهر في أميركا وأوروبا في نهاية الخمسينات على يد جوزيف كوزوث، وبدأ عدد من الفنانين في الإمارات وغيرها يشتغلون على هذا المنحى منذ سنوات قليلة، ويعد بينالي الشارقة الدولي من أهم المحافل الفنية التي تهتم بمواكبة هذا النمط، وكانت دورته السابعة في 2005 مكرسة للأعمال المفاهيمية. المناسبة التي دعت للتطرق لهذا الموضوع هي افتتاح الفنانة والناقدة التشكيلية آمنة النصيري معرضها الجديد أخيراً في صنعاء بعنوان «حصارات»، وتزاوج فيه بين ثلاث وسائط: الفيديو آرت، الصورة الرقمية، المجسمات والتنصيبات الفراغية. وعبر هذه العدة غير المألوفة من قبل في تجربتها، تتخلى الفنانة عن الريشة والألوان الزيتية، وعن ثيمة التعدد التي كان المتلقي يخرج بها من معارضها السابقة ذات المسحة التجريدية المحتشدة بالألوان، وتتعامل مع الصور الرقمية والمادة الفيلمية والدمى التي توظفها في أقفاص وفراغات مؤطرة بقماش أسود.

لا تستبدل الفنانة بهذه الوسائط خامات أعمالها السابقة فقط، بل تنتقل من الاشتغال على القيمة الجمالية ذات المعطى التجريدي إلى توصيل فكرة «مفاهيمية» صادمة وأحياناً مباشرة عن الأنثى المحاصرة بالسواد الذي يحجب ملامحها وكينونتها، يضم المعرض كذلك مادة فيلمية قصيرة تحاول تكثيف دلالة الحصار الحسي والمعنوي للمرأة داخل الرداء الأسود عبر حركات إيمائية تذكرنا بمشاهد من المسرح التجريبي، وتعيد «التنصيبات الفراغية» والصور الرقمية الاشتغال على صورة المرأة المحتجبة خلف قماش التقاليد التي كرست لحصارات عدة تتجاوز المظهر الخارجي للجسد.

غير أن من المهم في هذا السياق الإشارة إلى أن الانتقالات الجذرية في تجارب بعض الفنانين تجعل المتلقي يتعامل معها بحذر، خصوصا حين تخلو محطاتهم السابقة من مؤشرات أو جسور تمهد لتحولات من هذا النوع.

 

slamy77@gmail.com

طباعة