المقموعة لا تلد أحراراً

باسل رفايعة

كتب الزميل سامي الريامي في هذا المكان أمس عن ثلاث مواطنات تميزن في مجالاتهنّ، بعدما تعرضن لتعليقات قاسية على الموقع الإلكتروني لـ«الإمارات اليوم» عندما عرضت الصحيفة تجاربهن وقصص نجاحهن، فثمة من حاول التقليل من إنجازاتهن، وثمة من لم ينظر إلى المسألة إلا من زاوية الاختلاط الضيقة، وتأويلاتها المختلفة.

الواقع أن ذلك شأن عربي عام، يتعلق بحقيقة نظرتنا إلى المرأة وحضورها الإنساني، ودورها الاجتماعي، ويتعلق بكثير من التخلف الذهني الذي يختبئ وراء شعارات نكررها عن حرية المرأة، وعن حقها في التعليم والإبداع والعمل، بصفتها «نصف المجتمع»، فإن أصبحت طبيبة أو مهندسة أو إعلامية عدنا إلى موروثات قبلية رانَ عليها الصدأ، وطالبناها بأن تكون طبيبة للنساء فقط، ومهندسة في مواقع لا يراها الرجال، وإعلامية تخجل من أنوثتها، فتظهر بصورة خارج العصر، مع أن تعليم المرأة استهدف تحريرها إنسانياً من مفاهيم قديمة، تكبل طاقاتها، وتحول دون حضورها المنتج في محيطها الاجتماعي.

مع الأسف، فنحن نريد المرأة كائناً تابعاً، لا شريكاً وندّاً، نرسم لها أدواراً محددة، ونرسم لها هيئة معينة، لا نقبل أن ترفضها، ونضعها في قالب لا يجوز أن تكسره، وتعبر عن بشريتها.

نحاجج بأننا بذلك نحافظ على مكانتها في بناء الأسرة، كأن المقموعة قادرة على أن تلدَ أحراراً، أو كأن المسلوبة إرادتها مهيأة لتنشئة أجيال متطورة، قابلة للتكيف مع تحديات الحياة في القرن الحادي والعشرين.

الذهنية الذكورية في العالم العربي تتذرع بالدين والعادات والتقاليد لتحجيم المرأة، وإحباط تنافسيتها. تبحث في الموروث الجمعي عن كل ما من شأنه أن يجعل المرأة قابعة في هامش ضيق، إذ إن عليها ألا تقتحم مساحات يحتكرها الذكور، وعليها دائماً أن تتذكر أنها أمّ وزوجة فقط، وهذا دور قَدَرِي ونهائي، ويجب أن يكون كل إنجازها متعلقاً به، وفي إطاره، وإلا فهي عديمة القيمة.

يسأل العربي عن دور الأم إذا رأى المرأة ناجحة ومتقدمة في مجالها. يظن سلفاً أن ثمة تعارضاً وتناقضاً بين الدورين. لا يسأل طبعاً عن دوره أباً لأطفال وراعياً لأسرة، حين تختلط الأدوار نفسها، لأنه لا يعترف أصلاً بحقّ المرأة في أن تختار أفقاً مستقلاً، تجد فيه ذاتها، وتحقق من خلاله شخصيتها وطموحها. فهو يتذرع بالأمومة وقدسيتها، وينسى في غمرة إحساسه بسطوة الذكورة أن للأبوة أيضاً ذات القدسية والأهمية.

يذهب العربي إلى حجة الاختلاط، لتقييد حرية المرأة وحركتها وخياراتها الإنسانية. إنه هنا زوج يحدد لزوجته أين تعمل، ومع من، وكيف تعمل، وهو وصيّ كامل الوصاية على عقلها ومبادئها، ويميز وحده بين الصواب والخطأ، وعليها أن تمتثل لأوامره، بصفتها التبعية المطلقة.

وهو أيضاً شقيق لا يريد لشقيقته أن تختلط بالرجال، خوفاً من العيب الاجتماعي، وعليها أن تبحث لها عن مكان خال من الذكور، لتعمل فيه، أو تجلس في بيتها أسيرة للعزلة، تراقب يومياً شهادتها الجامعية المعلقة على الجدار، وتظل في انتظار أن يأتي الزوج، وقد لا يأتي.. فتنضمّ قسرياً إلى قوائم العنوسة والوحشة، دون ذنب، سوى أن رجلاً امتلك مصيرها، وأراد لها أن تحيا هذا المصير.

baselraf@gmail.com

طباعة