تشيخوف.. 150 عاماً من الحضور

خليل قنديل

بعض الطاقات الإبداعية لا يتسع جسدها الإنساني لضجة الكتابة وهديرها اليومي المزلزل، ولهذا نلحظ أن مثل هذه الطاقات الإبداعية النادرة هي قصيرة العمر على الأغلب، ذلك أن حياتها تبدو دائماً على هذا النحو كأنها ولدت كي تفرغ شحناتها الكتابية الخارقة وتستكمل حياتها بسرعة عجيبة بالموت المبكر.

والقاص والمسرحي أنطوان تشيخوف المولود في ميناء صغير جنوب روسيا عام 1860 هو على الأغلب من هذه النوعية التي لو تم توزيع أيام وشهور حياته على منجزه الإبداعي الخارق في مجالي القصة القصيرة والمسرح، إضافة إلى مرض الرئة الذي رافقه منذ منتصف عمره الأربعيني وحتى وفاته، لما استطعنا أن نصدق كل هذا الإنجاز وكل هذه العبقرية.

فالشاب الذي اختار دراسة الطب كان قد انبهر بالعروض المسرحية التي كان يتابعها بشغف منقطع النظير، وكان عليه أن يتوزع في اهتماماته بين دراسته الطبية الجافة والمسرح والكتابة المبكرة للمسرح، ومن ثم المواظبة على كتابة القصة القصيرة. وبرع تشيخوف في مجال الكتابة المسرحية القادرة على التسلل الى روح المشاهد وقرص روحه تلك القرصة التي تدعو إلى السخرية والبكاء أحياناً وطرح الأسئلة الوجودية الخارقة. كان هذا التوجه واضحاً في أعمال مسرحية قدمها تشيخوف للمسرح العالمي عموماً، وقدمت بكل لغات العالم مثل «بستان الكرز» و«النورس» و«الأخوات الثلاث» و«الخال فانيا». والمقولات التي كان يطلقها تشيخوف أمام أصدقائه ومحبيه تحولت مع الزمن الى مرجعيات على الكاتب الحق أن يعتمدها ويلتزم بها. وعلى سبيل المثال حين يقول: «على الكاتب أن ينمي في نفسه ملكة المحافظة بلا كلل، يجب أن يجعل من الملاحظة عادة فيه، أي طبيعة ثانية».هذا الحث على المراقبة بعين لاقطة وذكية للحياة ومفارقاتها هي التي توجته عبر العديد من القصص القصيرة التي كتبها كأب روحي في القصة القصيرة لا في روسيا فحسب بل في الذاكرة العالمية جمعاء. ومن يقرأ له قصصاً مثل «السيدة صاحبة الكلب» و«الشقاء» و«حكاية مملة» و«الموظف» سوف يدرك تلك العين الثاقبة عند تشيخوف في رصد أدق تفاصيل الحياة الإنسانية ومفارقاتها الموجعة وتقديمه بما يمكن تسميته بالقراءة المتسربة بحنو الى روح القارئ، والخادشة لكل ما هو رتيب وعادي. وحتى حين تخلت عنه العافية وسقط فريسة للمرض أدرك اللحظة التي أقبل فيها عليه الموت عام 1904 ولم يوفر دقة الملاحظة في مشهد مثل هذا وهو يهتف «يا إلهي إنني أموت».

ولعل هذا ما جعل روائياً عظيماً مثل تولوستوي يقول حينما سمع بخبر وفاة تشيخوف «لقد أسس تشيخوف أشكالاً جديدة لفن الكتابة في العالم أجمع، لم أر مثلها في مكان آخر، وبعيداً عن كل تواضع أؤكد أن تشيخوف أرفع مني بكثير».

ولعل هذا أيضاً ما جعل مؤسس الثورة البلشفية لينن وحينما قرأ قصة «عنبر رقم 6» وانتهى منها إلى أن يخرج يركض في الشارع هارباً من الجنون الذي يصدره تشيخوف لكل من يقرأ مثل هذه القصة.إن روسيا المتشظية إلى جمهوريات تحتفل هذه الأيام ولمدة ستة شهور متتالية بمناسبة مرور 150 عاماً على ولادة هذا العبقري الذي لم يكف يوماً عن الحضور وحفر الأعماق الجميلة والبكر في روح كل من يقرؤه.

 

khaleilq@yahoo.com

طباعة