«انتفاضة ثالثة» من أجل المشاهدين

إبراهيم جابر إبراهيم

في عقود النضال الخُلّبية، صنع الفلسطينيون لأنفسهم، أو صنعت لهم أسطورتهم الآسرة، صورة مجازية، تجاوزت صفات البشر وسائر الناس.. حتى ذهب الظن بالبعض أن الفلسطينيين لا يصابون حتى بتسوس الأسنان!

لكن البطل الذي تعب من دور البطل، غادر صفحات الرواية مبللاً بحبره ليمشي في الأسواق، وأصيب الفلسطينيون بالعاديّة!!

.. صاروا مثل باقي الخلق، ربما أكثر قليلاً، لكنهم ليسوا أبداً أقل!!

لكن المشاهد، الملول من النهايات التقليدية للمسلسلات، لم يرقه مشهد البطل وهو يتناول الإفطار، أو يخدش وجهه بماكينة الحلاقة، فصاح به مؤنباً: كنتَ وأنتَ مُعلقاً على أوراق الرواية أجمل!!

مشاهدٌ آخر، لم يغفر له أنه كان أطول قامة منه، صاح عليه متندراً: ها أنت تمشي اليوم على ساقين قصيرتين مثلنا!!

.. والفلسطيني الذي خلع المرقّط وحزام القنابل اليدوية مرغماً، قبل أن يفوته «قطار مدريد»، بقي عاضّاً على جرحه، متحملاً مزايدات ذوي القربى الذين تعاملوا مع برنامجه النضالي وكأنه «ما يطلبه المشاهدون»!

عليه أن يلقي السلاح إن سئموا مشهد الدم، وأن يمتشقه إن اشتاقوا لمشاهد المغامرة، وعليه أن يموت ليتفاخروا بأنه سليل عائلتهم، وأن يجوع ليكتبوا شعراً وطنياً صاخباً، وأن يصمد تحت الحصار ليهتفوا في مسيراتهم الحاشدة أيام العطلات!

وظن البعض أن الأمهات اللواتي كُنّ يزغردن لأبنائهن حين يعودون موتى.. يزغردن حقاً مبتهجات، ولسنَ بقلوبٍ متشققةٍ وأرواحٍ مفتّتةٍ.

كان الفلسطيني دائماً ضرورة قصوى ليشعروا هم بالوطنية، وليعيشوا نشوة القومية في يوم وفاته، وليتنطّطوا على ظهره مطالبين بالحرية والكرامة والنصر والاستقلال والتحرير و و و... الخ!!!

حتى بدا الأمر كما لو أن استقلال الفلسطيني وإنجاز مشروعه الوطني، هو أكبر كارثة قد تحيق بالأحزاب العربية والشعراء العرب والنخب العربية!!

البعض كان خلال الحرب ينكش أسنانه بعد وليمةٍ دسمةٍ ويقترح عليهم أن يموتوا على الجانب الأيمن.. فذلك أجزلُ ثواباً وأعظمُ أجراً!!

والبعض كان يقول إن ضحكة أخت الشهيد تفسد عليه صعوده للأعالي.

وبعض الغلمان، صاروا محللين سياسيين، يفهمون في مقاسات وحشوات الرصاص، وفي القماش المناسب للكفن، واللبن المناسب للثريد، والحنّاء الأنسب للون اللحية، والورق الأكثر لمعاناً لبوسترات الشهداء!

.. تعب الفلسطينيون من «الأساتذة» الذين يمارسون تنظيرهم كل يوم على صفحات الجرائد، وشاشات الفضائيات، وأثير الإذاعات، والمواقع الإلكترونية، ليعلموهم معنى الصمود ومعنى التضحيات!!

هؤلاء الأساتذة الذين بينهم الكثير من الفاسدين الذين يتبجحون بالحديث عن الطهرانية، والصغار الذين يتشدقون بالصمود والتصدي، والذين لا يحبون الفلسطيني إلا ميتاً ... يطالبون الآن بانتفاضةٍ ثالثة!!

لا تعنيهم أبداً كُلفة الانتفاضة الجديدة من الأرواح، ومن التفاصيل الصغيرة في البيوت، ولا يعنيهم الشهداء أو وحشة الحياة على الأرامل، ولا تستوقفهم دموع اليتامى واليتيمات!

لا يهمّهم أن يموت عشرات الآلاف في هذه الانتفاضة، المهم إرواء الشهوة المجنونة عند هؤلاء ليروا الدم مجدداً، ويروا الصغار مدفونين حتى أعناقهم في الركام، ليصفقوا لانفعال «جيفارا البديري» على التلفزيون.. وليرفعوا رؤوسهم بين الناس زهواً بابن عمهم الشهيد!!

 

nowaar@hotmail.com

طباعة