الثقافة القُطرية والصراعات الحادّة

يوسف ضمرة

كان لتكريس الكيانية القطرية في الوطن العربي نتائج ثقافية واجتماعية وسياسية، تماماً كما كانت هذه النتائج ذاتها أسباباً مباشرة وغير مباشرة في تكريس القطرية. كانت الأسباب السياسية هي الأكثر تأثيراً في تنحية القومية وتنمية القطرية، وهي أسباب معروفة جيداً، ولكن من المفيد التذكير بالأسباب الخارجية، نظراً إلى النتائج الثقافية التي ستترتب على هذا الأمر. فقد أدرك الغرب جيداً أن تخريب مفهوم العروبة وإقصاءه من الشارع العربي سيؤدي إلى تنمية ثقافة قطرية، تلعب دوراً بارزاً في تكريس عزلة أي قطر عربي، وإبعاده عن القضايا القومية.

هذا المشروع السيو/ ثقافي، شكل دافعاً لما سمي بالفوضى البناءة أو الخلاقة في الاستراتيجية الأميركية والغربية عموماً في ما بعد.

لقد تمكن المشروع الأميركي من تحقيق بعض أهدافه، على الرغم من إخفاقه في فرض المعادلة الكلية، بسبب تجاهله الثقافة العربية في اللاوعي الجمعي. فقد نجح المشروع أولاً في تحويل القضية الفلسطينية إلى صراع فلسطيني/ صهيوني، وجعل من أغلبية العرب مجرد متفرجين، أو متعاطفين في أحسن الأحوال. والأمر ذاته ينطبق على العراق، حيث أصبح الإعلام العربي يتحدث عن (المسألة العراقية) تماماً كما يتحدث الإعلام الغربي نفسه.

وقد تمكن هذا الواقع الجديد المتمثل في تكريس القطرية من خلق مساحات مناسبة لنشوء ثقافات متباينة في الجماعات والطوائف في القطر الواحد، كما هي الحال في العراق وفلسطين ولبنان واليمن.

فمن المعروف اجتماعياً وثقافياً أنه كلما ضاقت اهتمامات الجماعات وتقلصت، نشأت بالضرورة فرصة ملائمة لقيام صراعات ثانوية ضيقة. لكن هذه الصراعات غالبا ما تكون أكثر حدة وشراسة كلما كان الخصم أكثر قرباً، ما يجعله منافساً قائماً على الدوام.

فعلى سبيل المثال، تنشأ صراعات طائفية هنا وهناك في الوطن العربي، وهي صراعات تستند إلى إرث ثقافي معلوم، لكن حدة الصراع بين هذه الطوائف تكون أقل بكثير من حدتها في الطائفة الواحدة. وهذا بالتحديد ما يحاول المشروع الأميركي استكماله في الوطن العربي، وهو ما يتمثل اليوم في الصراع المذهبي، الذي يمكن أن يأتي على الأخضر واليابس في الوطن العربي.

المشكلة الكبرى في هذا الصراع تتمثل في الدور الذي تلعبه النخب الثقافية في تأجيجه وتغذيته، ليس تعبيراً أو إيماناً بالمذهبية في المقام الأول، بمقدار ما هو تنفيذ مدفوع الأجر سياسياً ومادياً. وحين يصبح المثقف أداة أو عجلة تدور لأجل السلطة والمال والنفوذ، فإن ذلك يعني إغراءات متزايدة لمزيد من المثقفين والنخب الثقافية، تماماً كما يحدث الآن في كثير من بلدان الوطن العربي.

في هذه الحال تصبح مسؤولية المثقف غير المرتزق أكثر صعوبة في التصدي للثقافة الزائفة التي تتغذى على وهم التسلط والنفوذ والهيمنة. ولعل التركيز في القضايا والاهتمامات الجمعية العربية وتبيان المخاطر التي تشكلها المشروعات الغربية، والمشروع الصهيوني قبل ذلك وبعده، على وجود هذه الجماعات التي تمثل الطوائف والمذاهب، يكون خارطة طريق واضحة للخروج من هذا المأزق الثقافي والاجتماعي الذي دخله الوطن العربي من الباب الواسع.

damra1953@yahoo.com

طباعة