فيروس «برتش 6»..

ميره القاسم

فترة وجيزة تفصل بين فيروس «إتش1» الذي تمت محاصرته، وانتهت دعايته المثيرة بمجرد بيع وتسويق عقاره السحري، واستقرار الملايين في جيوب شركات الأدوية العملاقة، وفيروس «برتش 6» الذي بدأ في الانتشار بسرعة البرق بعد ان نقلت صحيفة «الإمارات اليوم» قضية شذوذ «حمدان برتش» في أحد تقاريرها، ما جعل البعض يصب جام غضبه على المتهم، ويعلن انتظاره انتهاء الجلسات، وإصدار الحكم بفارغ الصبر، بل إن هناك من قام نيابة عن المحكمة بإصدار الحكم مباشرة والمطالبة بإعدامه.

بالطبع، لا يمكن أن نلوم المنفعلين على انفعالهم عندما تطالعهم وسائل الإعلام بأخبار الشواذ وأساليبهم المتطورة في تسويق أفكارهم، خصوصاً بعد أن فتحت لهم الإنترنت وتوابعها باباً واسعاً لاصطياد الزبائن في أسرع وأقل وقت ممكن، لأن قضية من هذا النوع تدق ناقوس الخطر وتؤشر إلى خلل في المجتمع ينبغي التعامل معه بوعي وحكمة وشدة في وقت واحد.

قضية «برتش» ليست سوى القشة التي قصمت ظهر الشذوذ في مجتمعنا، لأنها جمعت خمس تهم مستفزة هي: الاعتياد على ممارسة الفجور، وهتك العرض بالرضا، وحيازة وتوزيع وعرض صور وأفلام إباحية لا تتفق مع العادات والتقاليد العربية، والتنكر في ملابس أنثى من أجل الدخول لمكان خاص بالسيدات، والسخرية من المقدسات الإسلامية.

وقبل «برتش» قرأنا عن كثير من الشواذ منهم مجموعة الـ26 الذين قبض عليهم بعد إعدادهم لعرس جماعي للشواذ في أبوظبي، ولا أدري حقيقة هل تم سجنهم أم لا، هل السجون لدينا مهيأة لقضاء عقوبتهم في حال صدور الأحكام باعتبارهم حالة خاصة؟ هل تتم معالجة الشاذ خلال فترة سجنه واعتباره حالة مرضية ينبغي أن يتم التدخل الرسمي لعلاجها، ويكون الأمر جزءاً من الحكم؟ أم أن الأحكام تكتفي بالعقوبة الجنائية فقط؟

إن محاولة علاج الشباب المتشبهين بالنساء أو الشابات المسترجلات (البويات) ليست فضيحة اجتماعية، ولا ينبغي أن يتم النظر إليها على هذا النحو، لأن نظرة من هذا النوع كفيلة بترسيخ الشذوذ في المجتمع، وانتقاله إلى آخرين، في حين أن العلاج يمكن أن ينقذ الكثيرين والكثيرات، خصوصاً أولئك الذين يعترفون بأنهم مرضى ولا يجاهرون بشذوذهم ويبحثون عن طريقة للخلاص منه. وثمة زوايا كثيرة في قضية الشذوذ لاتزال غامضة وتحتاج إلى أن يسلط عليها الضوء وكشفها للمجتمع بواقعية ومن دون إثارة، وبعيداً عن محاولة إلباس المجتمع المثالية المصطنعة التي تضعنا من فترة إلى أخرى أمام جريمة أخلاقية أو جنائية نقف أمامها صامتين. إن المعرفة والعلم ومعالجة المشكلة بوعي، يمكن أن تساعد هؤلاء وتساعدنا على التخلص من آثار هذا السلوك النفسية.

كل ما سبق لا يعني التساهل إطلاقاً مع النوعية الثانية من الشواذ، أولئك الذين يسعون إلى نشر الرذيلة، ويسوقونها أو يعلنون عنها أو يجاهرون بها، فهؤلاء تحولوا من ضحايا إلى مجرمين، وبالتالي يجب أن يعاقبوا كما يعاقب المجرم، لارتكابهم جريمة في حق المجتمع والناس وعليهم أن يدفعوا ثمن ما اقترفت أيديهم، ولكي يكونوا عبرة لغيرهم، فلا يستهينوا بأمن المجتمع وأخلاقياته ولا يتطاولون على المقدسات.

مرة أخرى حتى لا يُفهم الكلام خطأً: بعض الشواذ مرضى يحتاجون إلى العلاج النفسي والإرشاد الديني، إلى جانب العقاب الجنائي، وبعض الشواذ مجرمون ينبغي التعامل معهم بشدة والأخذ على أيديهم حتى لا يفسدوا غيرهم، فهل تحقق السجون هذا الغرض؟ وهل ينتبه القائمون عليها إلى هذا الخطر؟

طباعة