الكتابة البسيطة

خليل قنديل

يحمل بعض الكتابات الروائية سحرها الخاص الذي يعمل وبسرعة عجيبة على جعل هذه الروايات تمتلك جاذبية القراءة، تجعلها تترجم إلى معظم لغات العالم، فتمتلك أرقاماً فلكية في التوزيع وتعدد الطبعات.

مرد ذلك يعود، على الأغلب، إلى براعة الكاتب الروائي في التعامل مع مخزونه الوجداني والروحي في اختيار الموضوع البسيط الذي يمتلك خاصية الحفر الأنيق في أعمق أعماقه، من دون أن يثير أي نوع من الزوابع والغبار.

النقطة التي ينطلق منها الكاتب هاهنا لا تكون مثقلة بالمرجعيات الإنشائية اللغوية، ولا تعتمد التوصيف الزائد على الحاجة، بل هي نقطة تعتمد على الالتفاتة الذكية لواقع نعيشه، لكننا لا ندقق فيه كثيراً، إنها باختصار تلك النقطة التي تشكل الحياة، وتؤلفها كرواية سردية من دون الوقوع في التكلف أو الزيف السردي.

وحينما نذهب لاستحضار الأمثلة، كي نؤكد ما ذهبنا إليه، نستحضر رواية «الخيميائي» للروائي باولو كويلو، والتي ترجمت الى 67 لغة وبيعت منها 65 مليون نسخة في أكثر من 150 بلدا، ما جعلها من أكثر الكتب مبيعاً على مر التاريخ. وهي تعتمد في كتابتها على الأسطورة الشخصية البسيطة للراعي الاسباني «سنتياغو» الذي كسر جغرافيته الرعوية الضيقة، وذهب في رحلة عبر الشمال الإفريقي، حتى وصل إلى الأهرامات، بحثاً عن الكنز الذي ينتظره هناك.

وعربياً، يمكن القول إن رواية «عمارة يعقوبيان» للمصري علاء الأسواني كسرت حاجز البخل القرائي العربي، حينما بيع منها أكثر من 250 ألف نسخة حال صدورها، هذا إضافة إلى ترجمتها إلى لغات عالمية عدة. والرواية اعتمدت في مضمونها على السرد البسيط الذي يحاول أن يرصد التركيبة الاجتماعية لقاطني عمارة يعقوبيان، ومدى ارتباط تكوينات شخصيات هذه البناية على تنوع أصولهم بأطياف التكون الاجتماعي للشعب المصري عبر مراحل سياسية واجتماعية كثيرة، ابتداء من انتهاء القرن التاسع عشر مرورا بالقرن العشرين.

ومن يعود إلى سلسلة كتاب «هاري بوتر» للكاتبة البريطانية ج.ك. رولنغ لابد أن يدهش من حكاية الصبي الساحر هاري بوتر الذي يسعى بطفولة سحرية للقضاء على سيد الظلام لورد فولد مورت. وتزداد الدهشة حينما ندرك أن قصة بسيطة مثل هذه تجعل مثل هذه السلسلة تترجم إلى معظم لغات العالم الحية، ومنها اللغة العربية، وباع الكتاب السادس من السلسلة عشرة ملايين نسخة عشية صدوره، ويمكن القول إن كتاب هاري بوتر ربما يكون الوحيد في العالم الذي جعل القراء يسهرون حتى الصباح عند باب المطبعة، ليحصلوا على أحد أجزائه الطازجة.

لم يعد في مقدور القارئ أن يذهب قرائياً نحو الكتب السميكة والمعقدة في مضمونها الفلسفي العميق، بل صار يبحث عن الكتب التي يكتبها صاحبها بلغة بسيطة وعميقة، قادرة على أن تأخذ بلبه، وتقوده نحو عوالمها المضببة بنوع من الخفة السحرية المحببة. وعلى الأغلب، هذا ما بات يفعله أصحاب الكتابة البسيطة الذين صاروا ببساطتهم العميقة هذه يديرون رؤوس القراء في العالم نحو تلك المنطقة البسيطة المكتظة بالدهشة.

khaleilq@yahoo.com

طباعة