تمارين دراكولا

أحمد السلامي

احذروا، لأن «دراكولا» عاد من جديد، وبدأ يتمرن على اصطياد فرائسه الليلية، وحين يفرغ من جولته المعتادة، يعكف مصاص الدماء على كتابة يومياته، ونشرها على الـ«فايس بوك»:

«كل نهارٍ أصحو، وبخفةٍ أسحبُ جسديَ المنهكَ من فِراشِهِ، أغتسلُ.. أكشطُ الدّمَ قبلَ بزوغِ الأعينِ، أُعِد الإفطارَ من غيرِ لحمٍ، أترفقُ بالقهوةِ.. أسمر الخبزِ .. أضعُ العسلَ في زجاجةٍ، وأزينُ مِزهريةً بيضاءَ بابتسامةٍ بلا أنياب.

بعد أن يطمئنّ البيتُ، وتنطفئُ رائحةُ الليلِ الحريفةِ من هوائهِ، أتسللُ بطمأنينةِ الغدر، أُحصي فرائسَ البارحةِ، وأَدفنُ جُثثاً ممزّقةً، أُواسي المصابينَ وأعالجُ الجرحى، وأُحصي الطرائدَ وأشُم مكانَ صيدِها المعتادِ قبلَ جهامةِ الليل». هذا هو المقطع الأخير من أحدث نص للشاعر السعودي أحمد الملا، نشره قبل أيام على صفحته الشخصية في الـ«فايس بوك»، بعنوان «تمارين الوحش»، وحظي بسيل من التعليقات التي تبارك هذا (التحوّل).

يمكن لمن يحسدون الملا أن يعتبروا كثافة التعليقات الانطباعية حول نصه الجديد مؤشراً إلى عدد الذين يعشقون أفلام الرعب. أما المسالمون وهواة الدراما العائلية فسيعتبرون ذلك مقياساً لفرادة النص، وأهمية اسم صاحبه في قائمة الجيل الجديد من شعراء قصيدة النثر على المستوى العربي عموما، والسعودي خصوصا. لا أدري ما إذا كنت سأجرؤ على المضي في صداقتي مع الملا، بعد أن أصبحت لغته تتسلح بأنياب حادة، تعرف كيف تنغرز في لحم رقبة الكتابة. ولعله في هذا النص يشي بتحول في تجربته الشعرية، وفي مقاربة لغته لواقع مختلف يستدعي التوحش، ويفرض اللجوء إلى منطق «إن لم تكن ذئباً...»، لأن الضغوط والتعقيدات الاجتماعية المتزايدة في حياتنا كأفراد لا تجعل المحيط الذي نعيش فيه «يوحشنا» طبقاً للهجة المصرية، بل يُوَحّشنا.

أظن أن البعد السوسيولوجي هو المفتاح المناسب لقراءة نص كهذا. ووفقاً لقراءة عابرة لما بين سطور «تمارين الوحش»، يمكن القول إن النص الشعري الجديد لم يعد معنياً بالتطابق الوصفي مع الواقع بتفاصيله المباشرة، وهذا ما يقترحه نص الوحش عبر استبطانه المغاير لما وراء الجدول اليومي الذي يحاصر حياة الإنسان المعاصر. ويبدو الجدول اليومي للإنسان/ الوحش جدولاً اضطرارياً لا فكاك منه، وهنا يكمن سر الدهشة والصدى الذي يلامس بدلالات مختلفة جداول الوحوش، أو الفرائس الأخرى التي تختبئ في أعماقنا. يستهل أحمد الملا «تمارين الوحش» بالشك والمزاوجة بين ما يبدو حلما وما يبدو أنه استحال إلى واقع يستدعي التمرن على التعايش معه:

«لم أعد متيقناً مما رأيت، شككتُ طويلاً في براعةِ النوم، شككتُ في الليل، أنهرُ الحلمَ بيدينِ عاريتين، فزعي ملطخٌ بدمٍ لزجٍ وحار».

ولا يخفى على القارئ أن النص يشتغل على مضمر سينمائي شائع، يتمثل في شخصية «دراكولا» والمتحولين من أجيال مصاصي الدماء والمستذئبين، ويتخذ قناعاً غائماً من الأسطورة بتجلياتها السينمائية الحاضرة بقوة، لكنه يستسلم في بعض المقاطع للسياق «الدراكولي»، كما في السينما الشعبية، وهذه من الموضوعات الأثيرة في سلاسل الرعب التي اشتغلت عليها السينما الغربية من زوايا متعددة، وبكثافة إنتاجية لم تخلُ من استثمار الأسطوري لأغراض تجارية خالصة: «يمكثُ في النهارُ/ويترقّبُ نزول العتمة.... في الفجرِ يعودُ من القنصِ/مبتهجاً والدمُ يَشُر من ثناياه».

طباعة