عن معركة النقاب والحجاب..

باسل رفايعة

لا جدوى من تصعيد الغضب في معركة الحجاب والنقاب ضد سويسرا وفرنسا وبلجيكا، ودول أوروبية أخرى، تتهيّأ لحظر الزي الإسلامي، لأن الخسارة محققة، ولأن المسألة تخصنا نحن، وتعبّر بشكل أو بآخر عن ثقافتنا، ولا تخص ثقافة علمانية راسخة منذ زمن طويل، وعلى من يريد العيش في أي مكان أن يقبل شروطه وقيمه، ويجد حلولاً لخلافه أو اختلافه معه.

فرنسا حسمت أمرها باتجاه الذهاب إلى القانون، وحظر النقاب، وهذا حقها، وفي السعودية وإيران لا يُسمح لغير المحجبات بالظهور في الحياة العامة، وهذا أيضاً من حق البلدين اللذين يطبقان الشريعة الإسلامية، وإذا أرادت أية فرنسية مثلاً أن تعيش في الرياض أو طهران، فعليها أن تلتزم بذلك، ولا تعتبر ذلك سلوكاً موجّهاً ضدها.

النقمة العربية والإسلامية ضد تلك الدول الأوروبية ستفضي إلى نتائج سيئة، والتداعيات قد تُلحق ضرراً بالغاً بالحقوق المدنية للجاليات المسلمة في أوروبا. إزاء ذلك ثمة من يجادل بأن اليمين المتطرف يقود حملة مبرمجة ضد المسلمين، ظاهرها الاندماج الثقافي، وباطنها عداء ديني ـ طائفي، لكن لا مصلحة للرد على هذا التطرف بمثله، بما يشبه تلك الدعوة التي أطلقها داعية في بلجيكا لتطبيق الشريعة الإسلامية في هذا البلد، وبما يشبه دعوات كثيرة لمقاطعة منتجات الدول التي تقف ضد النقاب والحجاب، أي نحو مزيد من العزلة وتأكيد الصورة المكرّسة عن علاقتنا بالآخر.

لن يؤدي مثل تلك الدعوات، ومعها السخط في العالمين العربي والإسلامي، إلا إلى استقطاب حاد في المجتمعات الأوروبية ضد الإسلام والمسلمين، في بلدان لديها وسائل ضغط ديمقراطية على المؤسسات التشريعية، ما يعني إصدار قوانين تضرّ بمصالح الجاليات المسلمة التي استفادت فعلياً في العقود الماضية من المناخين الثقافي والسياسي في أوروبا، ومن سوء الحظ أن ينقلب هذا المناخ ضدها، وتضطر تالياً إلى التعامل مع هذا الواقع.

ما يحدث في فرنسا حالياً قد يكون بداية لذلك، فرئيس لجنة البتّ في مصير النقاب أندريه جيران، شدّد قبل يومين على «ضرورة خوض معركة سياسية ضد رموز الأصولية، وتطبيق إسلام يتماشى مع قيم فرنسا الجمهورية والعلمانية».

ما يجب فعله الآن هو وقف خسارات مؤكدة إذا استمر المسلمون في أوروبا وخارجها في هذه المعركة التي تعاكسها كل الظروف، ويستحيل كسبها. فالقارة العجوز قطعت مراحل بعيدة في العلمانية، وستبدو أكثر تشبثاً بقيمها عندما يتعلق الأمر بوجود مواطنين يحملون جنسيات بلدانها ويريدون فرض ثقافة، تعتبرها أوروبا مضادة لها، خصوصاً عندما ينفعل داعية مطالباً بالشريعة الإسلامية في مكان غير مكانها، وزمان غير زمانها، وهي غير مطبّقة أصلاً إلا في دولتين في العالم الإسلامي، وعندما يحتشد العرب والمسلمون في السخط على أوروبا بسبب قضية الحجاب والنقاب، في سياق تنفيس احتقانات سياسية أخرى يعيشونها في بلدانهم، ولا يستطيعون التعبير عنها لضيق الهوامش.

نحن في مرحلة ضعف حضاري عام، وموقعنا لا يؤهلنا للانتصار في مثل هذه المعارك التي لا ضرورة لها، ولا يجب النظر إليها كأولوية، وإلا فنحن نحكم على أنفسنا بمزيد من الهامشية، والإصرار على الحياة في الماضي.

baselraf@gmail.com

طباعة