نبحث عنهم!

ميره القاسم

في منتصف الستينات، برز الفنان جابر جاسم من أبوظبي، هكذا قال الفنان عيد الفرج في دراسة له عن الأغنية قبل أكثر من ثلاثين عاما، أي أن هذا الكلام مضى عليه ما يقارب الثلاثة عقود، ألم يكن في الوسطين الثقافي والفني في الإمارات من لديه المقدرة على عمل تقديم تعريفي “أضعف الإيمان« لهذا الفنان أو غيره من سابقيه في المنحى الغنائي نفسه؟

في الوقت الذي تحوز فيه الحياة الفنية للفنانين المعاصرين كل أدوات البحث والتقصّي “حتى في ما هو مسكوت عنه”، لا نجد الشغف الثقافي بمثل هذه التوجهات، على الرغم من أن ذلك شأن وطني بامتياز، في واحد من أهم المكونات للوجدان الشعبي العام لـ”الشعرنة الجينية الثقافية”، كما قال الناقد والدكتور عبدالله الغذامي، ولذلك بدت الكتابة عن الفنانين الراحلين في الصحف اليومية بعد وفاتهم وكأنها كتابة اكتشاف أثري، في الوقت الذي كانوا هم بمثابة فرد جميل يعيش بيننا ويتنفس معنا وبنا، ولكنه متواتر.

عندما وصف الشاعر العربي المأساة التي تحصل بعد رحيل أشخاص مميزين في وجودهم الاجتماعي، كان ينظر بعيون الآخرين، ولأنها سمة من سمات العربي أن يحزن على رحيل من أثر في حياته هكذا كانت الصورة بعد توديع الكثير منهم، وقد أثروا المكتبة السمعية الغنائية بعدد كبير من الأغاني التي لاقت صدى مؤثرا في الإمارات والخليج ربما.. فنانون بحثوا عن القصيدة.. عن ذلك المفهوم.. وربما استشفوه ببصيرة روحانية عالية، قادرة على النفاذ إلى الأفق.. ولأنهم منا فقد آثر الصمت كثيرون منهم  ليصنف الواقع على أنه “فات وقته”، بينما الحقيقة تقول إن المستوى الفني الذي وصلت إليه الأغنية في الإمارات حاليا برز نتيجة لجهود كبيرة ومضنية في فترات سابقة.. جهود لم تبالِ بالعوائق والعثرات، ودلت على ذكاء فطري في تذوقها للنص من ناحية واللحن من ناحية أخرى، مع دخول آلات موسيقية حديثة مختلفة مهّدت للأغنية الإماراتية الحديثة الوصول إلى ما وصلت إليه.

 

نحن نبحث عن رصيد هؤلاء.. نبحث عن كيفية تشكّل ريادتهم.. نبحث عن الكيفية التي راكموا بها تجاربهم الفنية.. عن الإخفاقات، عن أنواع الفشل التي مرت بهم.. عن الإنسان الكادح فيهم، والمتميّز بالابداع أيضا.. نحن نبحث عن مجموعة من القيم والمثل والقدوة الفنية، لأننا جزء من الامتداد الذي مثّلوه، وحلم صرناه أو كانوا يتوقون إليه!

فنانون كثر توسدّوا يمينهم والسؤال الذي يدور في ذهني عنوة: من سيعتني بالجهود الغنائية الفردية التي تُأ خذ من عناية المؤسسات الثقافية والإعلامية شيئا يذكر؟

 

ماذا سيمكن القول للأجيال الآتية عن الجذر الغنائي  الجديد؟

نحن لا نملك تاريخاً موثقاً ومتداولاً في ثقافتنا الغنائية!

طباعة