الجغرافيا.. حينما تطير

خليل قنديل

وحده المبدع الحق، سواء كان شاعراً أو روائياً أو قاصاً، من يستطيع ان يقتلع الجغرافيا التي يقيم فوقها ويحبرها ورقياً ليجعلها تستقر في اللغة وفي الجملة المعبرّة، كي تتحول الى جغرافيا طائرة ومحلقة، ولا تهدأ أو تستقر الا حينما تداهمها القراءة وبكل اللغات. وكثيرة هي الأماكن الجغرافية التي استطاع المبدع الحق ان يقتلعها من مكانها ومن ثم يحولها الى جغرافيا طائرة ومحلقة في كل القراءات. وحينما اعتقلت القوات القيصرية الروسية الباغية الروائي الروسي دوستوفيسكي في معتقلات سيبيريا لم يدر في خلد السجان الأحمق آنذاك انه اعتقل عيناً صقرية قادرة على التقاط أدق التفاصيل الجغرافية في المكان وتخليدها في رواية «مذكرات من بيت الموتى». ولتتحول الجغرافيا الضيقة للمعتقل السيبيري القطبي البرودة، الى مكان واسع يقدر على التحليق والبقاء حتى يومنا هذا.

وفي الإطار ذاته حينما اعتقل العلامة العربي ابن خلدون في مساحة القلعة الحربية الضيقة، استطاع ان يحطم تلك الجدران الحجرية السميكة لمبنى القلعة وان يجوب في التاريخ الاجتماعي العربي، وربما العالمي، ليكتب رائعته التي خلدته مبدعاً «مقدمة ابن خلدون».

والأمر ذاته ينطبق على مؤسس الرواية العالمية الإسباني سيرفانتس الذي اعتقله الجزائريون في إحدى المغارات، ليبدأ كتابة روايته العملاقة «دون كيخوته»، تلك الرواية التي حطمت جدران المغارّة وجابت جغرافيا اسبانيا وطارت بها، الى درجة ان هذه الرواية تمتلك سحر شخوصها وأمكنتها في كل قراءة، وإلى الدرجة التي اعتبرت فيها هذه الرواية المرجعية الأولى للكتابة الروائية عموماً ليس في اسبانيا وحدها بل في كل دول العالم.

ومن يقرأ رواية «زوربا» للروائي اليوناني المبدع نيكوس كازنتزاكي سيُدرك القدرة الكتابية العملاقة عند كازنتزاكي وهو يطير بجغرافيا جزيرة كريت وبيوتها البيضاء والعجائز، الى درجة انه يستحيل على القارئ المواظب ان يستذكر جزيرة كريت اليونانية من دون أن يستذكر تلك الرواية الفاتنة.

ومن يقرأ ثلاثية صاحب نوبل الراحل نجيب محفوظ، لابد ان يلاحظ قدرة محفوظ على اقتلاع الحارّة المصرية من مكانها الفيزيائي الجاف والبارد وتحبيرها في ثلاثة اجزاء حملت اسماء ثلاثة احياء قاهرية تمت ترجمتها الى اكثر من لغة عالمية. والأمر ذاته ينطبق على اماكن جغرافية ظلت مهملة تاريخياً الى ان جاء مبدعون من دول اميركا الجنوبية كي يطيروا بجغرافية هذه الأمكنة ويحولوها الى امكنة نابضة بالحياة وبالبقاء الأبدي.

ومن يتابع الحضور البهي لمدينة وعاصمة عالمية مثل باريس في كتابات لمبدعين فرنسيين وعالميين عاشوا فيها وتسكعوا في مقاهيها، لابد ان يتأكد من ان هذه المدينة من اكثر المدن العالمية التي حلقت كثيراً في جغرافيتها الحبرية الممتعة والمدهشة الى درجة التخليد.

ان المكان الذي يقيم في النأي والإقصاء حين يقع في اتساع العين البقرية يكاد يتزلزل حينما يقع في مساحة تلك العين الصقرية التي يمتلكها المبدع. لا لشيء سوى ان هذه العين ليست عابرة بل هي عين تمتلك تلك القدرة الاستيلائية على المكان واقتلاعه من جذوره الفيزيائية والتحليق به في عالم حبري ينهض من قيلولته الحبرية ويتجدد عند كل قراءة.

 

khaleilq@yahoo.com

طباعة