أقول لكم

محمد يوسف

نتحدث عن الحضارة والتحضر، وندعي أن البشرية تطورت في سلوكها وفكرها، وأنها تجاوزت عصور الاستغلال والهمجية، ودخلت منذ زمن بعيد إلى عصر الاستنارة، ولكن الأحداث تؤكد كل يوم أن الطبائع البشرية المتراكمة نتيجة السلوك والخلفيات الثقافية والعقائدية والفكرية يمكن أن تستدعى في أية لحظة، ولنأخذ كارثة هايتي مثالاً «حياً» نتابعه منذ أكثر من أسبوع، ونعايش تفاصيله التي لا يمكن أن يكون بعضها مرتبطاً بالحضارة أو الرقي البشري، وآخرها ما أعلنته الـ«يونيسيف» وهي المنظمة الدولية المعنية بالطفولة، فقد نبهت إلى اختفاء أطفال من مستشفيات ذلك البلد المنكوب، وتخشى أن يكونوا قد تعرضوا للسرقة في عمليات متاجرة في البشر من قبل عصابات أو مجموعات تهدف إلى عرض الأطفال على طالبي التبني، وهم بلا شك في الدول الغربية، وهي دول تقود البشرية كما نعلم نحو مزيد من الحضارة، ولكن كل من ينتمي إلى البشر لابد أن يتوقف عند مثل هذه الواقعة ويتساءل: كيف يكون من أولويات بعض الأشخاص استغلال المآسي لتحقيق مآربهم؟ فالأطفال الهايتيون يعيشون صدمة ما بعد الزلزال، وهم بحاجة إلى الرعاية والتخفيف من الآثار النفسية التي يمرون بها، بينما مسؤول رسمي في إحدى الدول الأوروبية يقول فور نزوله إلى مطار بدولته وبرفقته 100 طفل، إنهم سيجهزون للتبني من قبل العائلات الراغبة في بلاده، فكانت الأولوية للتبني، أما العلاج من الصدمة والبحث عن عائلات هؤلاء الأطفال والتأكد من الأقارب، فتلك أمور ليست ضمن اهتمامات ذلك المسؤول، ولا نعتقد أن هناك إحصاءات دقيقة تثبت مقتل آباء وأمهات وأقارب الأطفال المرحلين أو المسروقين من المستشفيات، وأظننا نتذكر تلك الشركة الفرنسية التي استغلت مأساة دارفور السودانية وسرقت أطفالاً من أحضان أمهاتهم، وهربتهم عبر الحدود إلى تشاد، ولولا المصادفة لما انكشف أمرهم، ولولا الإحراج لما تحركت الحكومة الفرنسية لمنع تلك المهزلة الإنسانية، ولما عاد أولئك الأطفال مرة أخرى إلى ذويهم، وهذا ما يحدث الآن بين أنقاض منازل هايتي وروائح الجثث المتعفنة، بشر يتاجرون في البشر باسم الحضارة!

 

myousef_1@yahoo.com

طباعة