جغرافيا النثـر

أحمد السلامي

ينظر بعض التقليديين إلى قصيدة النثر حتى هذه اللحظة، وكأنها نبتة شيطانية زرعها الغرب في ثقافتنا العربية لهدم مكونها الرئيس المتمثل في الشعر العمودي.

واكتسبت القصيدة البيتية - رغم منبتها الجاهلي - شرعية دينية، لأن تفسير آيات القرآن الكريم ظل يستقي ما غمض من المعاني بالقياس إلى لغة العرب وإبداع الأوائل.

لم تكن هذه الجزئية سبباً كافياً لمهاجمة هذا الشكل الشعري، بل إن اقتران قصيدة النثر بالحداثة جعلها ملعونة بالضرورة، لأن الحداثة حسب رأي بعض السلفيين طاعون يهدد ثوابت الأمة، خصوصاً حين يبحثون في أصولها وتفرعاتها ومقاصدها الفكرية التي لا تتوقف امتداداتها عند حدود تحديث النص الشعري، بل تتجاوزه إلى الدعوة لتغيير علاقة الفرد بالمجموع وإعلاء شأنه على حساب ما تراكم في الوعي الشرقي ضد الفردية.

ولم يكن هذا الرفض المؤصل دينياً ضد الحداثة وقصيدة النثر هو السبب الذي أدى إلى الحد من انتشارها على مستوى الإبداع والتلقي. بل إن السبب الأهم الذي جعلها تزحف ببطء في الخارطة العربية هو اعتياد الذائقة الشعبية على تعريف موحد للشعر، يرى أن لا شعر خارج الوزن والقافية، فكان من الصعب أن تؤسس القصيدة الجديدة شعريتها على التناقض مع الذاكرة الغنائية التي تربى عليها الناس منذ غناء الأمهات للأطفال في المهد، وغناء الفلاحين في الحقول وأهازيج الأفراح وغيرها من التعبيرات.

ولأن الوعي الشعبي لايزال يتمسك بالوزن والقافية، نجد أن كل من يحاول كتابة الشعر، حتى ولو لم يكن يعرف بحور الخليل وتفعيلاته، فإنه يلجأ لرص الكلمات بأسلوب يرتهن للإيقاع والسجع.

أي أن الشعر في ثقافتنا بكل أشكاله ولهجاته وأغراضه نشأ متلازماً مع قابلية لا جدال فيها تجعله يؤدي وظيفة غنائية في جميع الأحوال. فكيف نسمي النثر شعراً؟ هذا هو السؤال الذي لا يكفون عن طرحه.

والحديث عن قداسة الشعر العمودي يتصل كذلك بنزعة شاملة نحو تقديس الموروث، وهنا يكمن ارتباك العقل العربي وحيرته في التعامل مع التراث.

رغم ذلك يمكن القول إن مساحة لا بأس بها من الجغرافيا العربية لم تعد ترى للقصيدة العمودية وظيفة تلائم هديرها وشجنها سوى الرثاء، أو استرجاع نماذج من جواهرها العتيقة في الدرس النقدي الأكاديمي والرسائل الجامعية المعنية بتطبيق مناهج البحث الجديدة على النصوص التراثية.

فيما استمرت قصيدة النثر تنجز مشروعيتها وتؤسس حضورها منذ الستينات، خصوصاً في بلاد الشام، بل إن تأثيرها في لبنان تحديداً بدأ يمتد إلى ما تنتجه بعض الفرق الغنائية المستقلة، إذ نلمس روح قصيدة النثر تسري في كلمات بعض أغانيها من جهة المضمون والأسلوب التهكمي، ولا ننسى ما ينجزه في هذا الحقل الفنان الإشكالي زياد الرحباني.

 

slamy77@gmail.com

طباعة