أقول لكم

محمد يوسف

في عام 1969 كنا صغاراً، لا نعرف تفاصيل ما حولنا، ولا نفقه شيئاً من أمور السياسة، نتذكر أن هزيمة قد وقعت قبل عامين، وأن اليهود قد سرقوا ما تبقى من أرض فلسطين، وأن جمال عبدالناصر قرر التنحي عن قيادة الأمة، وأن مسيرات قد خرجت حولنا تنادي، ونحن أيضاً ننادي بعودة القائد، وقد نكون لا نعرف من هو عبدالناصر، تماماً كما حدث عندما صحونا في يوم قائظ من أيام أغسطس ،1969 والكبار يبكون، ويتمتمون بكلمات هي أقرب إلى الاستجداء منها إلى الدعاء، وكان اسم المسجد الأقصى يتردد على الألسنة، وكدنا نحن الصغار أن نذهب إلى الأحياء الأخرى، بحثاً عن ذلك المسجد الذي فهمنا أنه احترق، ولكن تبين لنا أنه في فلسطين، هناك في الشمال، وأنه أسير في يد الصهاينة من اليهود، و«أن للبيت رباً يحميه»، كما قال ذلك الكهل والدمع يبلل قسمات وجهه المحفورة بفعل السنين، وعرفنا أنه أولى القبلتين، حيث كان رسول البشرية عليه الصلاة والسلام وصحبه الميامين يوجهون وجوههم الطاهرة إليه عند كل صلاة في بداية الرسالة، وعرفنا أنه كان المكان الذي عرج منه المصطفى في رحلة كانت ومازالت نقطة تحوّل في تاريخ هذا الدين وتثبيت أركانه وعزته، وعرفنا أن الحق تبارك وتعالى خص المسجد الأقصى بمباركة عظيمة له ولما حوله، وتعلمنا في الأيام التالية كيف نهضت الأمة المنكوبة منذ أيام يونيو الستة في عام ،1967 وكيف كفّت إسرائيل يديها عن المسجد الأقصى بتحريك العالم كله، ومعه حرب استنزاف موجعة، وراية حمراء تجعل من الأقصى شرارة تحرق ولا تحترق. وكبرنا، وكبرت تفاصيل معايشتنا معاناة ذلك المكان الذي تهفو إليه النفوس، بعد البيت العتيق بمكة ومسجد الحبيب عليه أفضل الصلوات في المدينة المنورة، وبعد أن أصبح الصغير كهلاً، وتموجت تقاسيم الوجه وتثاقلت الخطى، مازال المسجد الأقصى أسيراً، وبنو صهيون ينخرون الأرض من تحته، والطرقات المحيطة به تتشقق، وتنهار، والأكف متوقفة عن الدعاء، والأصوات كتمت في الحناجر، فما عادت تتنادى سراً وعلانية، بعد كل ذلك، مازلنا نخاف أن نصحو ذات يوم لنسمع أن الأقصى اختفى، نخاف أن نكون شهوداً على ذلك!

myousef_1@yahoo.com

طباعة