ربيّع بن ياقوت

ميره القاسم

أكلما قلّبت الصور التي أخذتها من المستشفى للشاعر ربيع بن ياقوت، أمدّه الله بالصحة والعافية، أستعيد الصور المحفورة له في ذاكرتي، عندما ذهبت لعمل السلسلة الحوارية التي أملت أن تمتد إلى زمن أطول، لنحظى بمعرفة أكبر عن الزمن الأسبق علينا، حضرت إلى ذاكرتي الطريقة التي بها يمارس طقوسية الكتابة الشعرية، تذكّرت غرفته التي يختلي فيها مع نفسه للاستماع إلى الأغاني القديمة التي تنتمي إلى فن الصوت، حيث تنهال الذكريات، وحيث تعبر سنواته الكثير من الحجب، ليفنّد المراحل الزمنية التي مرّت، ليأتي مطلع قصيدته الشعرية بارداً ، مثلما هي ريح البحر التي تصافح الحنين على السواحل والشواطئ، وهناك يبدأ في ترداده مع نفسه، ثم ينادي على أحد أبنائه أو بناته أو أحفاده، داعياً إياهم لتدوين ما استكنّ واستقرّ في الخلد واللحظة والذاكرة الجديدة، إنه الصوت، ذلك الكائن الذي يعني الحياة، الذي يعني ولادة الصورة من شفة الكلام، ومنها تبدأ مسيرة القصيدة الواحدة، بيتاً بيتاً وبيتين بيتين، وهكذا..

هذه الطقوسية العميقة الغور التي امتدت عمراً يفوق نصف قرن من الزمان، والتي لم يألف أو يمارس طقوسية غيرها، صارت الآن تعبيراً آخر، تأملاً في الداخل، ورغبة كبيرة في البوح، رغبة في تجسيد ملامح ما يرى وما يشعر وما يدرك، رغبة في رصد ملامح التكوين النقية في داخله، هذهأ المركّبة إلى الداخل هي بيت القصيد في هذه المرحلة مع الشاعر ربيّع بن ياقوت، الألم الذي يعيش فيه هو القصيدة التي ترفض أن تخرج إلى حيّز الوجود، ليس لأنها تفعل ذلك عن سابق إصرار وترصّد ، ولكني أشعر أن القصيدة ذاتها تتألم، ليس لأنها لن تخرج فحسب، بل لأنها صديقة اتخذت من الصوت وسيلة للعبور إلى عالم التلقّي لدى الآخرين، خصوصاً في حلة ربيّع بن ياقوت.. هل نقول بأن الأبجدية القاموسية لديه هي الكلام؟ أخشى أن نكون متأكدين من ذلك، ومن كونه جعل أبجديّته هي الكلام، بينما الأبجدية لا توفي نذر استمراريتها معه.

من المؤلم أن يكون الصوت هو ألفبائية الكتابة، خصوصاً عندما لا يستطيع الصوت أن يملي الحالة الشعرية والشعورية والوجدانية والإنسانية ويحوّلها إلى قصيدة شعر.. أحيانا نتساءل: ما القصيدة التي يكتبها الآن في ذاكرته؟ ما هي الروح المستجدة؟ وما هي شواهدها؟ وكيف ستعبّر بعد هذه التجربة؟ وكيف يمكننا أن نكون فيها لنفهمها عن قرب؟ ليته ضم أبجدية الحرف إلى عالمه النقيّ.. ليته تعلّم رسمه.. ليته أماط اللثام عن الظرف الذي عزله عن اختطاط الصورة والكلام..

هكذا هو الآن.. تأتيه الكثير من القصائد.. تقبض على جمر بعضها.. وتدفعها قصيدة جديدة أخرى.. يا إلهي.. أيّة قصيدة يتلهّف لقولها الآن ولا نقوى على سماعها؟


وما من شك أن تكريمه من قبل مركز الشعر الشعبي في الشارقة هو تكريم للكلمة الصادقة التي تربى على أنغامها العذبة جيل كامل من الشعراء.

طباعة