قميص من حريرٍ أزرق

إبراهيم جابر إبراهيم

.. أشتهي أن أبدأ بشكل مختلف، رجلاً بارد الأعصاب، لا يدخن.. أو لا يدخن كثيراً على الأقل، ولا تستفزه الغيوم المرتبة كالقمصان البيضاء، ويأكل بشهية وتلذذ طبق الباذنجان المسلوق!

لا يحرق دمه من أجل مزاج امرأةٍ لعوب، أو لا يحرقه تماماً.. ولا يفكر كثيراً بما وراء الأخبار، ولا يشغل باله بالصبيّة التي هجرها صديقها في الفيلم الأجنبي!

يختار ملاءة السرير من دون أن يتوقف كثيراً عند لونها، ولا يصفن في العاشرة كالأحمق: هل شربت قهوتها الآن؟ وينتظم في ازدحام المرور بطواعية مدهشة: لا يتذمر، ولا يتأفف، ولا تتوتر أصابعه على مؤشر الإذاعات بحثاً عن أغنية مهدئة!

يفطر صباحاً، ويتغدى ظهراً، ويتعشى مثل التلميذ النبيه، دون أن يخلّ بمواعيد الحليب، وتنظيف الأسنان، والقُبلة على خدّ الأم الأيمن وخدّ الشغّالة الأيسر!

يجلس بين يدي الحلاق كالمريض الأليف، ويدفع فاتورة الكهرباء قبل استحقاقها بساعتين، ويضحك لأي نكتة ساذجة أو قليلة التهذيب يقولها مديره المباشر.. أو حتى غير المباشر!

رجلاً لا تدهشه بعد اليوم ضحكة عينيك، ولا يكترث كثيراً بما يثيره صوتك في الهواء، كخبط أجنحةٍ غضّة لعصافيرٍ صغيرةِ السنّ، ويحضر كل المناسبات العائلية، والعشائرية، بالتزامٍ بديع!

....

أشتهي لو أبدأ من جديد: بلا أعصاب مهتاجةٍ لأغبى الأسباب، وبدون هذا التوتر الذي يتراكم أعقاباً بيضاء مدعوكةً في المنفضة، وأن أصير مثل ابن خالي العبيط : يذهب للشغل بقميصٍ أخضر وربطة عنق «كاروهات»، ويعود للبيت ببطيخةٍ ودجاجتين تحت إبطه، ويسهر كل ليلةٍ في عرسٍ أو مباراة كرةٍ أو بيت عزاء!

رجلاً بلا ذاكرة مجرّحة، ولا أسرار ملوّنة أو وردٍ خجولٍ في مقعد السيارة الخلفي، ودون كومة كتبٍ على رخام المطبخ، أو صداعٍ نصفي لأن السماء لم تمطر جيداً وكما ينبغي لها!

اشتهي أن لا تدقّ أغنيات فيروز في أعصابي مثل تلك المطرقة الصغيرة في يد الطبيب على ركبتي، ولا تستوقفني الحرب في اليمن، ولا تعصف بي عينا امرأةٍ مرّت من خلف ظهرك، وألا أشهق إن رأيت قميصاً حريرياً أزرق في فاترينة الملابس!

أريد أن أرى اسمك على شاشة الهاتف، على الطاولة، فأواصل ذهابي للمطبخ كأن شيئاً خارقاً لم يحدث للتوّ!

وأريد أن أمرّ بذلك المقهى دون أن أتسبب بحادثي سير، وأمرّ بذلك البحر فلا تتبللّ عيناي، وأن (أمرّ باسمك إذ أخلو إلى نفسي ) فلا ينتابني ما خاف «درويش» أن ينتابه إن مرّ (بأندلس)!

أريد حائطاً لم نخربش عليه في صخبنا، وصورة لك إن رأيتها لا يتكوّم الحنينُ في حلقي، ومرآةً لم تر واحداً منا وحده.. ولو مرةً !

.. ..

كل ما هنالك أنني أسعى للهدوء، أريد كمشةً من الهواء النقي، المغسول، ما يملأ قبضة يدي فقط.. أتنفسه، وأدعك به وجهي، وأقدم منه لضيوفي المخلصين!

 

nowaar@hotmail.com

طباعة