من الإمارات إلى هايتي

سالم حميد

دمار شامل، بلد أُبيد عن بكرة أبيه، ثلاثة أرباع العاصمة تحتاج إلى إعادة بناء، ثلاثة ملايين بين قتيل وجريح ومشرد منهم أكثر من 200 ألف قتيل، لم يسلم فيهم غني أو فقير، جاهل أو متعلم، حتى كبار المسؤولين أصيبوا وقتل عدد من السياسيين والنخب، مدارس كاملة بمن فيها من طلاب دفنت تحت الأنقاض، مستشفيات وجامعات اختفت بكامل طاقمها ومرتاديها، فنادق ومراكز ترفيه ودور عبادة، لم يعد لها أثر ولن نستطيع التمييز بينها، جثث ملقاة في الشوارع ومبنى الأمم المتحدة تهدم تماماً وقتل رئيس البعثة الأممية وعدد كبير من الموظفين، الآلاف لايزالون تحت الأنقاض وأصواتهم تخفت من تحت ركام المباني المحطمة، عمليات النهب والسلب تعمّ البلد، وعصابات تسيطر على مناطق كبيرة، وجهود الإنقاذ لاتزال مشتتة.

ما أصفه هنا ليس مقطعاً من فيلم خيال علمي، أو قصة روائية، أو إعلاناً تلفزيونياً، بل هو قليل مما حدث قبل أيام في هايتي، هذا البلد الذي اكتشفه كريستوفر كولمبوس ويقع في جزيرة قريبة من كوبا بين القارتين الأميركيتين، الذي تعرّض إلى أسوأ كارثة طبيعية شُبهت بالدمار الشامل الذي تسببه الحروب، وهو محتاج إلى حراك دولي حقيقي استنفرت له الدول في حملة تعد واحدة من كبرى الحملات الإنسانية في التاريخ الحديث.

الإمارات كعادتها هبت لتقديم المساعدة، فليس بغريب على دولتنا أن تكون سباقة إلى تقديم المساعدات الإنسانية وأن تكون رائدة في مجال العمل الدولي، وما الشكر الذي وجهه الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية للإمارات لاستجابتها الفورية للنداءات الدولية، إلا دليل على أن قيمنا العربية الأصيلة لاتزال المحرك الأساسي لتوجهاتنا، فالجسر الجوي لإغاثة ضحايا الزلزال في البلد المنكوب قد انطلق بالفعل، والجهود الإماراتية الخيّرة تتوالى بشكل مكثف في محاولة لتخفيف آثار الأزمة.

كثيرون منا لا يستطيعون أن يقدروا حجم الأضرار أو أن يدركوا بُعد المأساة التي تتعرض لها هايتي، أو حتى ضخامة هذه المأساة التي تحتاج إلى أن يتوقف عندها الإنسان، وألا يمر عليها مرور الكرام في خبر قرأه في جريدة أو لقطات من فيديو عرضه تلفزيون، فقد يتعرض أي شخص منا لما تعرّض له أهل هذا البلد.

هي دعوة إلى وقفة مع الذات والتعبير بشكل من الأشكال الحضارية عن تضامن الإنسان مع الإنسان، ليرفع ذلك إحساسنا بألم الآخر وبدورنا بين البشر، لتكن رسالة إنسانية نحملها للعالم من الإمارات على شكل وقفة جماعية نقدم فيها ما يزيد على حاجتنا، نقدم بعضاً من خير ونسهم في الجهود العالمية التي انطلقت لإغاثة البلد المدمر، ولنكن كعادتنا سباقين إلى الخير والمساعدة، ولنكن كرماء حيث يستحق الكرم، ولتكن رسالة محبة وخير من الإمارات إلى هايتي ومنها إلى العالم أجمع، نقول فيها إننا شعب عريق وسباقون في الميادين كافة.
طباعة