أحوال المستبد

زياد العناني

يحتار قارئ التراث العربي كثيرا عند سرديات تتناقل أخبار الحكام والولاة السابقين، ويتوقف عند عبارة شهيرة تتكرر في المتن، وتكون بمثابة لازمة وهي: «دخلت على فلان في علته التي مات فيها»، ثم يورد المتحدث خبرا أو حكمة أو موعظة عن رجل في النزع الأخير، لتكون خاتمة أو شبه توبة موجهة إلى الله أو إلى الشعب، لايطمئن أحد إلى جدواها التي تأخرت جدا، مثلما تأخر الحال في وجوبها.

حين يقرأ القارئ مثل هذه العبارة، يسأل: لماذا يصبح المستبد حكيما أو عادلا أو نزيها أو نظيفا أو حنونا، حين تقترب ساعته وتذهب منه الدنيا، وينسى أنه كان يصول ويجول في حياة طويلة متع بها وعاش لا يأبه بشيء، ولا يريد إلا علوا في الأرض، ولا يفعل إلا الفساد في تفاصيلها؟

ما الفائدة من حكمة رجل لم نلتق مع جيد أفعاله أو كلامه، إلا وهو يودع الناس حين وقع السم في بطنه، أو وثب إليه أحد المنتقمين في العتمة، فأصاب منه مقتلا، فدمعت عيناه بعد حياة حافلة بالشقاوة وقتل الغرماء والمعارضين والتنكيل بالناس بلا رحمة؟

ثم ما الفائدة من صحوة متأخرة جدا؟ ولماذا لم تأتِ هذه الصحوة، حين كان أسوأ الناس يتصبح بالدم ويتمسى به، وها هي تطل لكي تقدم لنا حقيقة مفادها أن الإنسان المستبد يعيش الجزء الأكبر من حياته، وهو لاهٍ عن المعنى الذي يوجد في كل شيء من حوله، ثم ينتبه فجأة بسبب الخوف من قبضة الموت إذا رآه أو أتاه، ليعلن ندمه في آخر دقيقة من حياته، وهو الذي أمضى العمر كله، ولم ينجز لحظة صدق مع النفس أو لحظة عدل أو لحظة حب مع الناس أو لحظة ندم، حتى يتمثل لنا شخصا سويا نسائله، ونقول: أين كنت في حياتك اللامعقولة؟ ولماذا انكشف عماؤك الآن؟ ثم نتابع: ألم تقتل من دون تهمة أو محاكمة؟ ألم تسجن وتهدم وتغتصب وتنصب كمائن الرعب وتفعل كل ما يُسيء إلى الأمة؟ أما كرهت النقد وتحصنت خلف الشر؟ وأخيرا، ألم تكن فوق المساءلة؟ فعلام ترتعد في هذا الوقت الذي لا تستطيع فيه أن ترفع غباوة أو تزيل غشاوة؟ وعلام تندم ومن الذي سينتفع بهذا الندم الذي يصاغ من أجل خلاصك الفردي، خصوصا ونحن نراه في غير أوانه وفي غير مكانه ايضا؟

كثيرة هي الوقفات اللعينة التي رويت عن المستبد الضعيف في آخر خلجاته، فيما المستبد القوي بلا وقفة تذكر يتمرن في بيت الأذى على ضحية أخرى، أو على مجزرة ترفع منسوب الدم إلى الركبة، وتؤكد مجده التليد الذي لا يقوم إلا على كسر إرادة الأمة.

ربما يحتاج المستبد إلى الخوف من الموت، حتى يأتمر بالمثل العليا، ويكف عن ترويع الآمنين، وربما يحتاج الى موت يمعن في اقتفائه كل يوم، ويطال كلا من ثقاته وخاصّته، لأنه لا يصوغ مضمونه الوجودي بناء على العقل، وإنما يصوغه بناء على قوته من جهة، أو على ضعفه من الجهة الأخرى.

zeyad_alanani@yahoo.com

طباعة