بين هتلر وجونسون

سامي الريامي

«إذا ربحت فلا حاجة لك إلى أن تشرح، وإذا خسرت فيجب ألا تكون موجوداً لتشرح»، هذا المبدأ هو الذي قرر من أجله هتلر الانتحار عقب خسارته الحرب، وهذه الكلمات هي أساساً واحدة من أهم المقولات الشهيرة المنقولة عن هذا القائد الألماني الشهير، وبغض النظر عن قائلها، أو مدى اقتناعنا بها، إلا أنها جملة تحمل شيئاً من المنطق.. وبعيداً عن الحروب وخسارتها، والهزيمة والانتحار، فإن من الأمور الواضحة والغريبة في الإمارات على وجه التحديد، مسألة غياب ثقافة التحمل الفعلي للمسؤولية، والتي ينجم عنها بشكل مباشر تقديم الاستقالة، بمعنى تطبيق جملة «يجب ألا تكون موجوداً لتشرح»!

حصل الكثير من الأخطاء، منها ما هو فادح للحد الذي يشير إلى سوء الإدارة أو حتى «الغباء الإداري» إن صح التعبير، ومع ذلك تجد المسؤول المباشر عن ذلك، يعيش حياته المكتبية في حالة طبيعية جداً، ويظل متمسكاً بكرسيه، يعطي الأوامر، ويرفع نبرة الصراخ والصياح على موظفيه لإثبات وجوده، كأن شيئاً لم يكن، أو كأن الموضوع لا يعنيه إطلاقاً، بل ربما تتولد في فكره قناعة تفيد بأن هناك مؤامرة من «الموساد» أو من «المافيا الروسية» هي سبب وقوع الأخطاء الجسيمة في إدارته، ولا علاقة له بما حدث!

لم تنتشر لدينا ثقافة تحمّل المسؤولية بعد، ولم نشاهد المخطئ يتقدم بشجاعة ليعترف بخطئه قولاً، ثم يردف القول بالفعل من خلال تقديم الاستقالة، حتى يعطي المجال على أقل تقدير لغيره كي يصحح أخطاءه، حيث استحالة أن يقدم لك صانع مشكلةٍ ما الحل لهذه المشكلة، كما يُجمع خبراء علم الإدارة الحديثة!

وفي كثير من الأحيان تضطر الجهات أو المسؤولون الكبار إلى الضغط بطرق مختلفة، وبقرارات مختلفة، على المسؤول صاحب السوابق في الأخطاء الكبيرة لمحاصرته، ومضايقته، حتى يفهم أنه أصبح شخصية غير مرغوب فيها في موقع العمل، ويقتنع بأن وقت رحيله عن كرسي المسؤولية قد آن أوانه، ويظل الجميع في انتظار لحظة التنازل الحرجة التي يقتنع فيها بالاستقالة، وغالباً ما تستغرق فترة الاقتناع هذه أشهراً طويلة، يظل فيها مسؤولاً «بالاسم» يتقاضى جميع مزايا الوظيفة، ولا يقدم شيئاً من واجباتها، كأن ذلك مكافأة له على سوء إدارته أو «غبائه» الإداري!

كل ذلك لأن ثقافة تحمّل مسؤولية الخطأ لم تصل إلينا بعد، واستعضنا عنها بثقافة خلق التبريرات والأعذار، وهذه بالذات أصبحت صنعة يتقنها الكثيرون، وبالتأكيد فليس كل خطأ يجب أن يؤدي إلى استقالة، وإلا لما بقي مسؤول أو موظف على كرسيه يومين متتاليين، ولكن نقصد هنا الأخطاء المتكررة الفادحة التي تؤدي إلى خسائر مالية ضخمة تضر بالجهة أو المؤسسة أو الاقتصاد الوطني، وأعتقد أننا لمسنا ورأينا حالات مختلفة من هذه الأخطاء خلال السنوات الثلاث الماضية، لكننا لم نرَ في المقابل أية حالة استقالة إلى اليوم!

هتلر نفذ مقولته فلم يُبق على حياته تفادياً لشرح أسباب هزيمته، ونحن اليوم لا نحتاج إلى إزهاق أرواح، لكن على أقل تقدير نحتاج إلى أن نعطي الفرصة للآخرين كي يعالجوا الأخطاء، ويصححوا الاعوجاج، وتصحيح الأخطاء مسألة معقدة وصعبة للغاية، فهي تحتاج إلى مهارة، وهي بالفعل كما قال الرئيس الأميركي ليندون جونسون «يستطيع أي حمار أن يحطم أي حظيرة، لكنك ستحتاج إلى نجار ماهر كي تعيد إصلاحها»!

reyami@emaratalyoum.com

طباعة