من المجالس

عادل محمد الراشد

الفساد لايأتي من فراغ، فعلى رأي أهل المنطق أن لكل نتائج مقدمات، والنتائج لا تظهر على حين غفلة، وإنما تتخمر وتتكون إذا وجدت البيئة ملائمة ومساعدة، ثم تكبر وتتضخم لتصبح عصية على الاختباء. وأحياناً تزداد تضخماً إلى درجة التخمة بالثقة بالنفس، فتحاول أن تكون هي القاعدة وعكسها الاستثناء. تتلون وتتجمل وتختار لها أسماء وأوصافاً وتعبيرات سرعان ما تتقبلها النفوس الضعيفة، ويتعلق بها أصحاب الطموحات الفاشلة.. عندها يتحول الكثير من الفاسدين إلى أشخاص ناجحين ومتميزين لأنهم حققوا في فترات قياسية ما عجّز أصحاب المبادئ والمثل والأيدي النظيفة والقلوب المخلصة عن تحقيق شيء منه في فترات زمنية طويلة. يبدأ الفساد صغيراً من سرقة وقت الوظيفة عبر «شردة» لإنجاز عمل خاص، وقد يتدرج ليصل إلى سرقة الحق العام والمال العام والصحة العامة والأمن العام، فيصبح كل شيء في قاموس الفاسدين قابلاً للبيع والشراء لمن يملك «الشطارة» وغياب الضمير. وإن أردت السؤال فابحث عن البيئة. البيئة الإدارية، والبيئة الرقابية، والبيئة القانونية. أما البيئة الاجتماعية والبيئة الأخلاقية فهما في زمن«الشطارة» المتوحشة ضرب من المثاليات التي «ما توكّل عيش». قد نصاب بالدهشة من ظهور أشخاص في قوائم الفاسدين وقد كنا نعدّهم من الأخيار. وقد يكونون كذلك، ولكن فتنة المال مذكورة، وفتنة الجاه موصوفة، وفتنة الشهرة معروفة. وكلها فتن تحيل الأخيار إلى أشرار إذا لم تكن البيئة رادعة. فلم تأت الرسائل من السماء بدعوة فارغة من الشرائع، ولم يأت الدين بالمُثل دون القوانين، ولم تذكر الجنة بمعزل عن النار.

وفي عالم تجتاحه قيم الاستهلاك وتضخيم الأرصدة والتنافس على الشهرة والتكالب على النفوذ وهي القيم التي ترسخها الرأسمالية بازدواجية خطابها وثقافتها ونمط حياتها.. في هذا العالم يظهر الفساد في البر والبحر على الرغم من كل الكلام عن وسائل المكافحة والتصدي. لذلك لا يكون مستغرباً أن الحرامية يكونون من فئة المُلاك والأغنياء لا من الفقراء المعوزين، والفاسدون من شريحة الكبار «الناجحين» أكثر من أولئك الصغار الكادحين.

 

adel.m.alrashed@gmail.com

طباعة