لغة الجسور والأنفاق

علي العامري

إنشاء الجسور والأنفاق حيلة هندسية للربط بين المناطق، إذ لكل جسر ونفق وظيفة حياتية مباشرة، تتمثل في وصل ما يبدو مقطوعاً أو مفصولاً، فيربط جسر بين ضفّتي نهر أو خور، مثل خيط في إبرة الهندسة، توصل برّين معاً، بعدما شقّهما ماء. وكذلك النفق يبدو مثل قطبة مخفية تربط ما تباعد من الجغرافيا، أو ما باعدته السياسة أيضاً.

نستخدم كلمة «جسر» مجازياً، وبصورة لافتة، حين نتحدث عن التواصل بين الناس والشعوب والدول والحضارات والثقافات، تعبيراً عن مد أواصر الصداقة والحوار، لأن ثمة فاصلاً يحتاج إلى ربط بجسر تلك العلاقة.

ولكن، وعلى الرغم من الطبيعة الوظيفية المباشرة للجسر والنفق كونهما رابطين بين منطقة وأخرى، إلا أن هناك دلالات عدة لهذين المعلمين الهندسيين، إذ يعبران عبر هذه اللغة الهندسية عن حياة المدن وعلاقتها بالوقت.

يبدو الجسر وسيلة للقفز فوق المياه، يبدو مثل عصا لعبة «الزانة»، يعلو الجسر معلناً عن نفسه، ومعبراً بوضوح عن شخصيته، فهو ظاهر، بينما يتخفّى النفق مثل سر، يربط بين عوالم متعددة، ويبدو حلاً لما قطعته السياسة حيناً، وحلاً لما باعدته الطبيعة.

الجسور الشهيرة كثيرة، وكذلك الأنفاق، وهي مناهضة للقطيعة، ومناهضة للجدران العازلة، ومناهضة للكراهية.

الجسر حيلة هندسية للتواصل والوضوح والصراحة، إذ إنه يُعد تجلياً، ويعد قريناً للنهار. في حين يبدو النفق حيلة «تحت أرضية» توحي بعتمة، إنه سر ليلي، وصورة خفية في مرايا المدينة.

الجسر صورة شمسية، والنفق صورة قمرية.

الجسر قوس في الهواء الطلق، قد يمر فوق ماء أو وادٍ او فوق نفق. ينحني لتمرّ القوارب والسفن الصغيرة من تحته، ينحني قليلاً لتمر العواصف أيضاً. لكنه يظل واقفاً بهيئته الواضحة، إذ يبدو بطبيعة ذكورية.

أما النفق يبدو مثل بطن، أو جوف، يمشي في الخفاء، إنه تعبير «لا شعور» المدينة، وحياتها الليلية، وسيرتها المتوارية، إنه تعبير عن تفاصيل «قاع المدينة».

الجسر كلام نهاري في مقهى أو عند محطة حافلة أو قطار.

النفق قصيدة العالم الجواني، نص الباطن، ونقوش الخفاء.

الجسر شرفة الشارع.

النفق مستودع الأحلام.

الجسر نقش بارز.

النفق حفر غائر.

الجسر لغة بحروف ضوئية.

لكن النفق لغة بحروف سرية.

الجسر صوت.

النفق ترنيمة.


ali.alameri@emaratalyoum.com

طباعة