ديكتاتورية الكتب

خليل قنديل

منذ التحبير الأول الذي خطه الشامان على جدران الكهف الأول، وجسّد من خلاله القدرة البشرية في وعي الاصطياد، وارتياد المخاطر، ومروراً بجميع الحضارات التي عاشتها البشرية منذ مطلع التاريخ والحياة الإنسانية تذهب في شقين: الأول هو الحياة البشرية المتدفقة عبر العصور، التي تشكل السلطة السياسية، وجميع الإجراءات الإنسانية التي تمنح المعنى للحياة وتؤثثها بالحركة الدائمة. والثاني هو ما يمكن أن يُسطر أو يُحبر من كتابة تتسلل ببطء إلى الحياة، وتأخذ مداها في العقول لتتحول إلى مرجعية يُحتكم إليها، ولا يستهان بها.

وقد ظل الكتاب المحبر، سواء كان منقوشاً على صخر أو على لفائف البردي أو على الورق العادي، يشكل ما يشبه الديكتاتورية التي تقبض على عقول الناس وعلى مخيالهم، وهي تتحول إلى مرجع تطبيقي لحياتهم، يظل يتسيد عليهم، ويمنحهم بوصلته الحبرية في التعامل مع الحياة، وفك طلاسمها.

فحينما سنّ حمورابي شرائعه وخطها، تحولت هذه الشرائع، وإلى قرون طويلة، إلى ما يشبه المرجع الصارم الذي لا يحتمل الاختراق، وظل الناس على الرغم من حيوية حياتهم وتدفقها اليومي الهادر يعودون للاحتكام لهذه الشرائع وحل خلافاتهم على أساسها.

إلى ذلك ظل الكتاب المقدس في عهده القديم التوراتي يشكل مرجعية لسلطة الدين، وظل على الرغم من الشتات اليهودي عبر آلاف السنين يمثل مرجعية لا يستهان بها وبدكتاتوريتها في ما يخص اليهود، إلى الدرجة التي استطاعت فيها الصهيونية العالمية أن تجند العقل اليهودي للتفكير في أرض اللبن والعسل «فلسطين» واحتلالها، واقتلاع أهلها من أرضهم، والعمل على معاينة هذه الأرض على أساس الجغرافيا التوراتية الحافرة في بطن الأرض الفلسطينية، بحثاً عن الهيكل المزعوم وبقية الآثار العبرية.

وحينما ثار العمال في روسيا القيصرية استعانوا في مرجعيتهم الانقلابية على كتاب رأس المال لكارل ماركس وكراسات لينين، واستطاع البلاشفة تأسيس دولة قوية صار اسمها الاتحاد السوفييتي، وصارت هي القطب الثاني المناكف للولايات المتحدة في حكم العالم، واستمرت إلى ما يزيد على 70 عاماً.

لكن الكتاب التالي الذي قلب الأمور رأساً على عقب هو كتاب الياباني فوكو ياما، الذي أقفل بوابة التاريخ بكتابه «نهاية العالم»، وهو يُسيد أميركا على العالم، باعتبارها السيد الرأسمالي المتحكم في العالم، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وتشرذم جمهورياته.

والكتاب الذي يعتبر أكثر خطورة في هذا الطار هو كتاب هينتجتون والموسوم بـ«صراع الحضارات» الذي اعتبر أن العالم تخلص تاريخياً من جميع أعدائه، ولم يبق له من الأعداء إلا ما تحمله الحضارة الإسلامية من عداوة ضد كل الحضارات الإنسانية. وعلى هذا الكتاب بالتأكيد اعتمد اليمين المسيحي الجديد في الولايات المتحدة، وجند كل قواه ضد الإسلام، بحجة معركته ضد الإرهاب، إلى درجة تفريخ مصطلح «الإسلامفوبيا» الذي يؤكد عدائية العالم الجديد للإسلام، باعتباره العدو الحضاري الوحيد.

إنه إذاً الشامان الذي بدأ الكتابة الأولى في الكهف هو من يجلس مختفياً وسط الحركة البشرية الحمقاء، ليخط كتابه في كل مفصل بشري. هذا الكتاب الذي يطل علينا بحبره البريء، ومن ثم يتحول إلى ديكتاتورية معدنية صلبة يصعب خرقها أو القفز عنها وتجاوزها.

 

khaleilq@yahoo.com

طباعة