الحرية على الطريقة الأميركية

يوسف ضمرة

ثمة قرار أميركي يطالب الأقمار العربية بشطب بعض القنوات الفضائية التي لا تروق للسياسة الأميركية، وهو قرار لو صدر من دولة عربية لقامت الدنيا ولم تقعد، بحجة المس بحرية التعبير وحرية الإعلام والمعتقد والحفاظ على حقوق الإنسان. ويبدو أن الحرية على الطريقة الأميركية تشبه إلى حد كبير حرية الانتخابات الرئاسية والبرلمانية العربية ونزاهتها؛ فالحرية مرحب بها حين تكون في اتجاه واحد، أما التعددية التي تتغنى بها أميركا تحديداً، فهي مجرد تعبير فولكلوري ليس إلا.

فالحرية واحدة ومطلقة ولا تتجزأ، ولا يصح بأي حال أن نصنف الحرية، فنصف بعضها بالطيب والآخر بالقبيح، ولطالما تغنت أميركا تحديداً بالتعددية الثقافية، الناجمة عن تلاقح الحضارات وتفاعلها. ولكن هذه التعددية المزعومة، ما كان لها أن تتوافر لولا صيانة حرية التعبير والمعتقد.

نحن نتذمر في العالم العربي من فهم المؤسسة الرسمية للحرية، ونشكك في صدقيتها، بالنظر إلى الواقع الذي تفرزه هذه الحرية الوهمية، ولكننا لا يمكن أن نفهم أن تقوم أميركا بتجزئة الحرية، فتصبح الحرية التي معنا مقبولة، والتي ضدنا مرفوضة.

إن أهمية الحرية في كل مجتمعات الأرض، تتمثل في كشف الآراء والتعبير عنها، وفي السجال الذي يمكن أن يؤدي إلى حراك ثقافي على مستوى البنية الاجتماعية كلها، بحيث تتم الاستفادة أخيراً من الأفكار الجديدة التي لم تكن معروفة من قبل، أو لم يكن ثمة من يدافع عنها أو يشرحها. وإذا كانت أميركا ترفض خطاب بعض القنوات العربية أو غير العربية، لأن هذا الخطاب معاد للسياسة الأميركية القائمة على الهيمنة والتسلط، فإن في وسع هذه الدولة العظمى أن تتجرأ على مساجلة هذا الخطاب النقدي بخطاب مضاد يلقى قبولاً لدى المتلقي العربي. وقد حاولت أميركا فعلاً أن تفعل ذلك، فأسست قناة ناطقة بالعربية، وإذاعة ناطقة بالعربية أيضاً، ولكن مصير هاتين الوسيلتين الإعلاميتين لم يكن مرضياً للسياسة الأميركية كما يبدو، وإلا لما أقدمت أميركا على الطلب المشؤوم.

حاولت أميركا مجابهة الخطاب بخطاب آخر، ولكن ممارساتها على الأرض، المتمثلة في مزيد من الاستبداد الكوني وقهر الشعوب، لم تكن لتدعم خطاب إعلامها، كما الحال في فلسطين والعراق وأفغانستان وباكستان وغيرها من الدول، فأميركا تدعم حصار غزة الجهنمي بحجة الإرهاب الذي تمثله حماس، ولكنها تدعم في الوقت نفسه كل أشكال القمع التي تصب في مصلحتها.

هذا يعني أن ذلك الخطاب حول الحرية يشبه الخطاب عن الديمقراطية. وكلاهما خطاب زائف، لا يهدف إلا إلى تمكين السياسة الأميركية من فرض هيمنتها وجبروتها حيثما تشاء وأينما تشاء، من دون رادع، حتى لو كان هذا الرادع خطاباً إعلامياً.

كشفت أميركا أكثر من مرة عن جوهر سياساتها وثقافتها، وليس ثمة متسع للحديث الآن عن كل ما قامت به وتقوم به، ولكننا فقط نقول للمعجبين والمتيمين بالحرية والديمقراطية الأميركية: ناموا بهدوء واطمئنوا، طالما كان سيد العالم يفكر من أجلكم!

damra1953@yahoo.com

طباعة