5 دقائق

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

من القواعد الشرعية والعوائد المرعية أن الضرر يُزال، أي تتعين إزالته، ولا يجوز التغاضي عنه؛ لخطره وضرره، ولم تجمع الأمة بمختلف فئاتها وطبقاتها وثقافتها وتخصصاتها كما أجمعت على أن التدخين ضار بالفرد والمجتمع والاقتصاد، وأنه لا فائدة منه قط، ومع ذلك لم ينبِر أحد لرفع ضرره عن الناس، بل يزاوله مَن يعلم مفسدته وضرره وخطره وكأنه مسحور مسلوب الإرادة، فإذا ذكّرته بضرره لعله ينتفع بذكراك قال: أعلم ذلك ولكني لا أستطيع، فيا ترى من الذي أمسك بتلابيبه ليتنشقه؟! لا جرم لا أحد، إنما هو استحواذ من الشيطان الرجيم الذي هو عدو الإنسان أينما وكيفما كان، فلماذا يستجيب له وهو يعلم أنه عدوه، وأنه يود هلكته؟ أما يكفيه ما يرى من العبر فيمن فتك بهم هذا العدو؛ من الأمراض المزمنة، والسموم القاتلة، فقد ذكرت كلية الأطباء الملكية البريطانية أن من أضرار التدخين التي أعلنت عنها أن 27500 بريطاني يفتك بهم التدخين سنوياً، وتراوح أعمارهم بين 34 و،65 وأن هـناك 155 ألف بريطاني كانوا يموتون سنوياً بسرطان الرئة خلال الثمانينات.

وتأكد أن90٪ من حالات الوفاة بسرطان الرئة تحدث نتيجة التدخين، وذكرت أن الأسباب الرئيسة لحدوث الوفاة بين المدخنين هي: الإصابة بسرطان الرئة، والنزلات الشعبية «تليف الكبد»، وأمراض الشريان التاجي «الذبحة الصدرية»، وسرطان الفم «البلعوم والحنجرة»، وأن الأطفال الذين تلدهم نساء تدخن يولدون أقل من الوزن الطبيعي، والأمهات أكثر عرضة للإسقاط.

كما أعلن في مجلة لانست البريطانية- وهي مجلة طبية محترمة- أن التدخين مرض وليس عادة، وآفة يمارسها معظم أفراد العائلة، أو أنه عادة تؤدي إلى امتهان الفرد لكرامته، وأن عدد المتوفين نتيجة التدخين أضعاف وفيات حوادث السيارات.

وإن مما لا ينقضي منه العجب أن الناس؛ أفراداً ودولاً، ينظرون إلى هذا الخطر نظر المتفرج المتنزه، فما هذا إلا استسلام للمخاطر! وما هذا العجز عن مقاومة الضرر الماثل! فإلى متى يستمر هذا الاستسلام، أو السبات العميق عن هذا العدو بالإنسان والأوطان والاقتصاد؟!

ويعلم الله كم فرحت وطربت- وكثير معي- حينما صدر قانون رئيس الدولة الجديد لمحاربة التبغ تدريجياً، فقد جعل جزاءً رادعاً على بعض صوره، قد يصل إلى مليون درهم، فضلاً عن سجن من تعاطاه أو روج له في المؤسسات والتجمعات ووسائل النقل والمحطات، وهذه خطوة كبيرة كان الكل يترقبها حتى ظهرت قوية جريئة، ولعلها تؤتي ثمارها يانعة قريباً إن شاء الله تعالى في استئصال هذا الخطر والضرر من جذوره.

ولعل كثيراً من الناس سيظلون يتجنبون مواقع العقوبة الزاجرة، ويُعمون أبصارهم عما يشاهدون من آثاره السيئة في أنفسهم وأهليهم؛ لأنه كما يقال:

إذا لم يسقها سائق من ضميرها وإلا فأعيت سائقا بعد سائق

فمن لنا بإقناعهم بتركه والتوبة النصوح منه؟ ولعلهم يتوبون إن ذكرتهم بأن الأمة قد أجمعت على تحريم التدخين، لضرره المشار إليه، وقد حرم الإسلام الإضرار بالنفس أو الغير بنصوص قاطعة عامة وخاصة، كقوله تعالى:{ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث}. ولا ريب أن التدخين ليس من الطيبات بل هو من الخبائث في رائحته ومكوناته.

❊كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي

طباعة