«أنا وأزواجي الأربعة»!

ميره القاسم

«أنا وأزواجي الأربعة» لم يكن عنواناً لفيلم سينمائي تتصارع عليه الفضائيات، وتدفع مقابله الملايين لتحصل على حقوق بثه الحصري، «كما حصل مع مسلسل الحاج متولي الذي لم يعترض أحد على امتهانه للنساء وكرامتهن»، ولم يكن مقالاً صحافياً يقرأ وتنسى قصته بمجرد الانتهاء من آخر سطوره. عنوانه كان عبارة عن «قذيفة» من العيار الثقيل، وجهتها المذيعة نادين البدير لنا جميعاً لنعيد التفكير في ممارسات كثيرة تتوسل الدين، والدين منها براء.

المقال أثبت قدرته على الاستفزاز، ووجد طريقه بسرعة هائلة إلى وسائل الإعلام الورقية والإلكترونية، وأضرم فيها فتيل الصراع بين مؤيد ومعارض وساخر.

بالنسبة لي، قرأت المقال بعيداً عن العنوان المشاغب والرغبة «المجازية» للزواج بأربعة، وسوقهم ـ كما تساق النساء ـ إلى مخادع يجري فيها من الظلم ما تقشعر له الأبدان.. وبعيداً عن «الشوشرة والاستفزاز والإثارة»، يمكن قول الكثير عن تعدد الزوجات بالصيغة التي يمارس فيها في مجتمعاتنا العربية.

شخصيا؛ لا تعنيني مناقشة الموضوع من حيث تناولته المذيعة، بل من حيث ينبغي أن يتم تناوله، أي في إطار استخدام «رخصة التعدد» التي أباحها الشرع وفق «شروط صعبة بل ومستحيلة أهمها العدل»، بشكل غير عقلاني وغير إنساني أيضاً، وبظلم فادح يدفع بعضهن لاتخاذ موقف عنيف، كالذي اتخذته نادين.

الغريب في أمر السجال الذي جرى حول المقال أن لا أحد أتعب نفسه في إيضاح أن «العدل» بالنسبة لتعدد الزوجات مثل «الوضوء» بالنسبة للصلاة، فهل تجوز الصلاة من غير وضوء؟!

إن الذين يعتقدون أن التعدد أبيح لكي يشبع الرجل رغباته الجنسية واهمون تماماً، بل «وظالمون لأنفسهم قبل أن يكونوا ظالمين لزوجاتهم»، ومثل هؤلاء يستحقون رداً عنيفاً واستفزازياً من ذلك النوع الذي كتبته المذيعة، لأنهم بحاجة إلى «ضربة على الرأس أو صدمة تهزهم وتخرجهم مما هم فيه من الظلم»، وهذا ما حدث عندما صدمتهم صاحبة المقال وزلزلتهم، وكان الأولى بهؤلاء أن يخافوا الله في المرأة التي أوصاهم بها الله ورسوله، وأن يزلزلهم الظلم الذي يلحق بها حين تحول إلى كتلة من الألم والحزن والقهر، عندما يتركها زوجها «بلا سبب» ليتزوج بأخرى أكثر شباباً على سبيل المثال. وإذا كانت الكاتبة تحسدهم فأنا شخصياً «أشفق عليهم من عذاب يوم عظيم» فليس هناك أبشع من أن يقابل المسلم ربه وهو ظالم، فكيف إذا كان ظلمه موجهاً لمن يفترض أنها «سكنه ومودته وأم أولاده»..! وبعيداً عن التهديد والوعيد، والافتراضات غير المعقولة، اعتقد أن المطلوب لمرحلة التنوير المقبلة يحتاج لأكثر من مقال صحافي نختلف حوله ونقبله أو نرفضه. حاجتنا الآن مُلحة لأن يقف علماء الدين المعروف عنهم الطرح المتزن والمناسب للعصر في صف المؤسسات الاجتماعية المعنية بالأمر، ليجتمعا بمباركة ودعم المؤسسات الرسمية لنشر التوعية، والتعريف بحقيقة تشريع الزواج من خلال المؤتمرات والندوات وتفعيل دور وسائل الإعلام المؤثرة لإيقاف المهازل التي تتم باسم (تعدد الزوجات) بل وباسم الزواج نفسه في بعض الأحيان، وتقبلها المرأة لأنها «مغلوبة على أمرها».. وإلى أن يحدث ذلك ستظل خلف الجدران هموم ومآس كثيرة عن زيجات شكلية لا يعرف الحب إليها طريقاً.. ستظل خلف الأبواب المغلقة مآسٍ اجتماعية أقلها «هجران وانفصال غير معلنين» وأطفال لا يعرفون معنى الترابط الأسري.. ستظل هناك بيوت أوهي من بيوت العنكبوت، لا يسندها إلا رغبة المرأة في «الستر ولو في ظل حيطة»، كما يقول المثل الشائع.

طباعة