بين نارين

زياد العناني

«بين نارين» اسم حلوى معروفة على نطاق واسع، ترفع السكر إلى الحد الذي يمكن أن يتحول الدم إلى عسل. لا أعرف لماذا كلما تذكرت هذا النوع من الحلوى، أتذكر المواطن العربي وأحواله، في بلاده أو حتى في بلدان العالم كافة.

فهو في الداخل بين موال يختنق أو سجين على ذمة التحقيق، وهو في الخارج بين إرهابي أو ممول إرهاب، أو علامة تامة على سوء فهم ستظل ماثلة في المجتمعات الغربية وفي اللوائح القانونية ومكاتب الاستخبارات، لمجرد أن المقصود عربي يمكن أن يتزنر بالأحزمة الناسفة، أو يدبر لاختطاف طائرة، أو صاحب عداء متنامٍ لليهودية، وينتمي إلى الشر المحض، ولا يدخل الخير إلى صفاته.

ما المطلوب تحديداً من المواطن العربي في ظل الهلوسات السمعية والبصرية التيأ صارت تحيط به، وتدفعه إلى الجنون، خصوصاً أنه بات يرى نفسه ضمن دائرة الاتهام في الداخل وفي الخارج معاً،أ وصار يفتح الصحيفةأ ليقرأ عن عملياته الإرهابية، قبل أن يفكر فيها، وقبل أن يخططأ لها، والأنكى أنه صار يعتقل بناء على وشاية تقدمها دولته، قبل أن تقدمها حكومات الغرب، فيصدق أنه مفصوم، وأنه يتمتع بشخصيتين، واحدة مسالمة تعيش معه في النهار، والأخرى تبدع في فنون القتل إذا نام وتملأ الدنيا بالدماء!

ثمة ذهان مرضي يجتاح كل شيء، ويقنع العاقلأ أن الإرهاب يكمن في المرئي وفي المسموع، وفي المولات وفي الفنادق والحدائق العامة وفي المساجد، وفي وجهة المآذن الصاروخية، وفي المطارات، وتحت قشرة دماغ الابن،أ وربما تتكور شحناته الموقوتة في أثاث المنزل، وربما هو الآن في بيت الجار أو في بيت الدرج، أو في مطعم الوجبات السريعة،. وبالتالي، لا مناص البتة من أن يموت المرء بانفجار هنا أو هناك، وعليه ألا يفكر في أي شيء، سوى حماية نفسه المفترضة من الإرهاب، فالمجال ليس متاحاًأ لأن يفكر في المستقبل المجهول وفي مشكلات الأبناء وفي مشروعات التنمية، وليس مهماً أن يتحدث عن الدولة المدنية، في الوقت الذي نحتاج فيه إلى الدولة الأمنية، وليس مهماً ايضا أن يرى الأرض العربية وهي تضيعأ، فالمهم الأوحد هو الانخراط في مكافحة الإرهاب، وبناء على هذا الانخراط، يمكن أن يقضي الليل وهو يتجسس على جارهأ وعلى عائلة زوجته وعلى أخيهأ الذي تديّن فجأة، فربما جُند وهوأ لا يدري، وربما صار يُجند وهو لا يدري.

أ لم تبق منطقة آمنة يمكن أن يهرب المرء إليها من السلطة وعدوانها المقدس عليه، فكيف يهرب من التصورات والنفايات الزائفة التي تكونت فوق وتحت صورته التي تحمضت في مياه الغرب وصارت واضحة؟

والآن، وبعد هذه المخاوف والهلوسات، هل ثمة جهة ثانية غير الأرض يمكن أن يضرب فيها العربي خيمته، من دون أن يتهم بالإرهاب؟

لابد من جهة ثانية،أ ولابد من كف طلب وشهادة حسن سير وسلوك لكل مواطن عربي، ولابد من خارطة غير هذه الخرائط الجيوسياسية، ولابد من بديل لهذا التمزق والاغتراب الذي صار ألنا سمة لا تضمحل ولا تغيب.

zeyad_alanani@yahoo.com

 

طباعة