ذكريات

علي العامري

الذاكرة بقدرتها على استدعاء أحداث من الماضي هي زوادة للزمن الشخصي، وبعملها المركب تتجلى عبقريتها في الاستدعاء أو «المحو» أو التمويه.

ربما في صباح غائم، نرى طائراً يرفرف بالقرب من شجرة، فنتذكر قصة أو حادثة مرت معنا قبل سنوات بعيدة، وفي مكان بعيد أيضاً.

الذاكرة هل هي حياة موازية؟ هل هي مخزن أو مستودع تتراكم فيه الذكريات طبقات طبقات؟

ما الذي يجعل شاباً يتذكر مقطعاً موسيقياً أو أغنية، حين يقف على شرفة بيته مطلاً عبر الأفق؟ وما الذي يجعل امرأة تتذكر طفولتها، وهي تقف أمام مرآتها؟

كيف نتذكر؟

سؤال يبدو بسيطاً، لكنه ليس كذلك، إذ إن طبيعة عمل الذاكرة مركبة ومتشابكة، وما ذاكرة الكمبيوتر سوى نقطة بالمقارنة مع الذاكرة البشرية.

كثير منا يتأملون حياتهم، وبين زمان وآخر يتذكرون، ويدخلون حالة مختلفة عما هم عليها، إذ إن تلك الذكرى التي تراود أحدنا تنقله إلى زمانها ومكانها وأجوائها.

هناك من يعشق المطر الذي يذكره بالدفء والحب والحنان الذي كان يحس به في تلك الطفولة البعيدة زمانياً، لكنها قريبة معنوياً.

وهناك من لا يحب المطر، لأن حادثة مؤلمة أو تجربة حياتية قاسية حدثت له في شتاء بعيد.

الذاكرة تستدعي رائحة التراب في أول «شتوة».

الذاكرة تنقلنا إلى أول طائرة ورقية، أطلقناها في سماء طفولتنا.

الذاكرة ترحل بنا إلى أول رسالة حب كتبناها بعيداً عن أعين الأهل.

الذاكرة تسير بنا إلى أول يوم في المدرسة، الذي بدأ بدموع.

الذاكرة تعيدنا إلى خساراتنا، إلى ذكرى صديق توفي وهو في الطريق إلى المدرسة، أو إلى ذكرى أب اختطفه الموت قبل أن يعبر الشارع.

الذاكرة تصطحبنا إلى أول علبة ألوان عبثنا بها، وإلى أول بيت تفتح فيه وعينا بذواتنا، وإلى صورة معلم أحببناه في صفوف الابتدائية.

كثيرة هي ذكرياتنا، وكثيرة هي رحلاتنا الزمانية إلى تلك الذكريات.

وكثير هم المبدعون الذي يظلون مشدودين إلى طفولاتهم، محاولين أن يظلوا أطفالاً كما كانوا. هناك شعراء وروائيون وكتاب قصة ومسرحيون وفنانون تشكيليون وموسيقيون تمثل ذاكرة الطفولة بالنسبة لهم منجم الإبداع الذي لا ينضب.

الذاكرة هي التي تمكننا من مرافقة طفولاتنا، وهي التي تجعلنا نعيش حياة موازية لواقعنا.

وللذاكرة آلية لتخفيف قسوة الواقع، أيضاً، عبر الذهاب التلقائي إلى زمن الطفولة. وفي لحظة التذكر العميق، نغيب عن الأرض والواقع والتعب، وقد يمر من أمامنا حشد من الناس، لكننا لا نراهم، لأن عيوننا تكون هناك في زمان آخر، تشاهد أحداثاً ربما تستقر ذكرياتها في أقصى الذاكرة.

الذاكرة عبقرية تخفف الألم، وأحياناً تستدعيه ليصبح أليفاً مثل قطة في بيت.

الذكريات طبقات، ربما ريشة طائر كفيلة بإثارة الذاكرة لتستدعي صورة لفتاة كانت تنشر الغسيل على حبال طفولتنا.

ali.alameri@emaratalyoum.com

طباعة